المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

المجاملة سر من أسرار التعايش السلمي

تم النشر: تم التحديث:

اطلعت -كما يطلع الكثيرون- على ما يدور في العالم الافتراضي من مجاهرة بالآراء المتنوعة والمناكفات المتعددة في الطروحات، والتشكيكات غير المنتهية في العقائد والمعتقدات وحتى في المسلمات الاجتماعية من داخل أبناء اللون أو النسيج الاجتماعي نفسه.

وفي الوقت ذاته، قد يلاحظ بعض المراقبين أن لدى بعض الناس التكتيك في الابتعاد عن الطرح الواقعي المنتِج أو الجاد من بعض رواد التواصل الاجتماعي؛ نتيجة الخوف من السلطة الدنيوية والفضفضة الاستذواقية من دون اطلاع ودراسة مسبقة، وإنما تناثر خلجات سطحية وإفرازات شبه شخابيط على جدران النت المتنوعة والمتعددة.

شخصياً، لم ولن أنصدم في أرض الواقع بما يتم رصده من تغييرات سلوكية أو لفظية أو عقدية أو إعادة تموضع لدى بعض الكتاب في النت والتي قد تصل إلى حد التسونامي أو الشقلبة 180 درجة في كل الاتجاهات المتضادة. بعد الرصد العام في حالات، وشبه الدقيق، للطروحات المتعددة في حالات خاصة، لاحظت أنه قد يصل بعض الناس إلى إعادة منظوماته الفكرية أو السلوكية أو التخاطبية أو النفسية بشعور كامل منهم أو من غير شعور.

وقد يوظف هذا البعض قلمه وكتاباته -من حيث يشعر أو لا يشعر- في ارتكاسات ومناوشات اجتماعية وسجالات لا تزيد وضع مجتمعه إلا زيادة الانشطار. وقد يغيب الوعي عن استدراك حساسية المرحلة فينصّب هذا البعض من الناس، ومن حيث لا يشعرون ينصبون أنفسهم على أنهم الجلادون الثقافيون والقضاة النزيهون لسلوكيات أبناء مجتمعاتهم والمجتمعات المحيطة بهم!

عاصرنا في يانع الشباب وأيام الجامعة، من انقلب من إنسان هادئ وطموح إلى ما يُعرف اصطلاحاً إعلامياً بالمجاهدين الأفغان العرب أو من أصبح ماجناً أو من انتهى إلى أن كان زير نساء Casanova أو إنساناً سوياً أو مهندساً عبقرياً أو محللاً اقتصادياً. وعاصرنا أيضاً من انتهت به دهاليز العلاقات بمختلف أنواعها إلى الارتقاء في منصبه الوظيفي أو الزيادة في رصيده الأكاديمي... إلخ.

وعاصرنا كما عاصر بعض الأعضاء، ظاهرة التعلق لدى بعض الشباب حينذاك بأعضاء فرق البانكس، وظاهرة التقليد لنجوم فرقة البجيز البريطانية، والترنح على أنغام موسيقى البوني إم الأفروأميركية، وترديد شعارات التمدد الشيوعي، والتمجيد للتمدد الليبرالي الوجودي (النيودزم)، والتأثر بالمد الأصولي أو التبني للفكر السلفي أو التقمص للمد الثوري بأنواعه المختلفة.

في الأعوام العشرين الأخيرة، رصدنا من واقع تعدد وجودنا الجغرافي مظاهرات تطالب بعدم التمييز ضد الجنس الثالث والمطالبة بإقرار زواج المثليين في بعض الدول العالم الأول جهاراً والثالث إخفاتاً، وتمدد الفكر الإقصائي بعناوين دينية أو قومية أو عرقية... أو... أو.. وكان أشرسها المذهبي بالشرق الأوسط والديني في بعض بقاع الأرض!

ونُقل لنا قصص أغرب من الخيال عن تعاطف المنتهَك حقه مع جلاده أو ما يُعرف بمتلازمة ستوكهولم حتى عاينّا بأم أعيننا ترحّم المثكول في ابنه على قاتلِ ولده أو سجّانه أو مضطهِده دينياً أو عرقياً.. إنها عجائب وغرائب من السلوك والتصرفات!

كما شاهدنا -وما زلنا نشاهد- تنكر أبناء أقوام لقضايا قومهم المعاصرة والماضية وحتى المصيرية بعناوين مختلفة وعبارات مزيفة.

كنت أتساءل: لو أن كل أتباع أو أصحاب مدرسة فكرية أرادوا فرض آرائهم على الآخرين، فهل ستكون الحياة حياة ازدهار أم ساحات عراك ملونة بالدماء؟!
وكنت أتساءل: في عصر السرعة والتطور العلمي، هل أصبح حجم ذاكرة بعض من يدّعون العلم والثقافة وتقبّل الآخر بحجم ذاكرة ذبابة؟!

وكنت أتساءل: لماذا يريد البعض الانتقاص من الآخرين فكراً وإيماناً ويعطون أنفسهم كل الحق في العمل نفسه ويضِيقون ذرعاً بمن يزاحمهم في مقارعة طروحاتهم وتذكيرهم بوجوب توظيف طاقاتهم للارتقاء بمجتمعاتهم وتزكية معارفهم والذود عن حياض مكتسباتهم والمشاركة الفاعلة في البناء والتلاحم لأبناء مجتمعهم الذي احتضنهم وألحفهم ثياب الدفء العاطفي والاجتماعي والانتمائي!

اطلعت ذات يوم على ميثاق ملزم لإحدى الدول من العالم الأول، وهو جزء من منظومة دستور دولة تضج بالتنوع العرقي والديني والفكر البشري، فكدت أجزم بأن كل ألوان الحابل بالنابل من الأيديولوجيات والسلوكيات المتضادة قد أُقرت في دستور تلكم الدولة.

والمحصلة هو ازدهار الاقتصاد لتلك الدولة واستقطاب جموع من ذوي الإنتاج الاقتصادي والمهارات المهنية من أقطاب المعمورة.

وحيث أسجل مساجلات في الجروبات أو مواقع التواصل الاجتماعي، كنت أستحضر هذا النص من تغريدات مجهولة الكاتب وردت إليّ من خلال مجموعة واتساب؛ وهي:

الخلاف في الرأي نتيجة طبيعية تبعاً:

1- لاختلاف الأفهام.
2- تباين العقول.
3- تمايز مستويات التفكير.
الأمر غير الطبيعي أن يكون خلافنا في الرأي:
1- بوابة للخصومات.
2- مفتاحاً للعداوات.
3- شرارة توقد نارَ القطيعة.

العقلاء ما زالوا يختلفون ويتحاورون في حدود [العقل]، دون أن تصل آثار خلافهم لحدود [القلب].
فهم يدركون تمام الإدراك، أن الناس لا بد أن يختلفوا. ويؤمنون بكل يقين أنه ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَاسَ أُمَةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.

إن اختلافي مع أخي أو صديقي أو أي آخر، لا يعني أنني أكرهه، أو أحتقر عقله، أو أزدري رأيه.
ومهما يكن الاختلاف...

1- لا يحل [غيبتي]،
2- ولا يجيز [قطيعتي].
فالناس عند الخلاف 3 أصناف:
1. إن لم تكن معي، فلا يعني أنك ضدي (وهذا منطق العقلاء).
2. إن لم تكن معي، فأنت ضدي (وهذا نهج الحمقى).
3. إن لم تكن معي، فأنت ضد الله! (وهذا سبيل المتطرفين).

الآراء (للعرض) ليست (للفرض)، و(للإعلام) ليست (للإلزام)، و(للتكامل) ليست (للتخاصم)».

بقي أن أذكّر بأن أي نقاش إن لم يكن لزيادة مساحة الوعي والسلوك -وهذه وجهة نظري الشخصية وهي غير ملزمة لأي شخص- يكاد يكون نقاشاً بيزنطياً شبه عديم الفائدة، وقد يكون مضراً بالصحة النفسية؛ لما ينتج عنه من تشاحن أو تشنج. ولذا أرى مع تعدد الأفكار ومريديها وجب عقلاً -بحسب ما أراه- أن يكون الإنسان لبقاً ومتجاملاً مع الآخرين والابتعاد عن التصادم والتسفيه والاحتقان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.