المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمين أمكاح Headshot

الباحث الأكاديمي الناجح

تم النشر: تم التحديث:

إن النجاح في البحث العلمي الأكاديمي ليس كالنجاح في باقي مجالات الحياة؛ لأنه لا يعتمد فقط على امتلاك مهارات القيام بتلك المهمة، بل يتعدى إلى أكثر من ذلك؛ من قبيل طبيعة الموقف وحقيقة الاتجاه نحو تلك المسؤولية، كما أنه رهين بمدى استمرار المردودية البحثية، فلا يوجد خلاف على أن البحث العلمي الأكاديمي هو أحد الأعمال التي تستلزم السعي الدائم نحو التطوير المتجدد والتطلع اللامنقطع نحو آفاق أوسع.

ومما لا شك فيه أن ممارسة البحث العلمي الأكاديمي ليست بالأمر البسيط، كما يعتقد البعض، والحق أن هذا التصور خاطئ وبعيد تماماً عن الحقيقة، فليس كل من أسندت إليه مهمة البحث العلمي الأكاديمي هو أهل لها ويستحق صفة الباحث الأكاديمي حقاً، وليس كل مَن يحمل بطاقة باحث أو طالب في الدراسات العليا يستطيع أن يكون باحثاً أكاديمياً ناجحاً فعلاً.

وللأسف الشديد فقد أصبح الانتماء لميدان البحث العلمي الأكاديمي سهلاً جداً أمام كل مَن هبَّ ودبَّ؛ يكفيك أن تكون حاصلاً على شهادة الماجستير ثم تسلك أحد الطريقين المنحرفين: إما أن تعبر عبر طريق التملق ومداهنة مَن يملكون زمام الأمور في مراكز ومختبرات البحث العلمي، أو أن تكون ممن يمر عن طريق تقديم الولاءات الحزبية والسياسية والرشوة والمحسوبية؛ مما جعل البحث العلمي الأكاديمي عبارة عن متاجرة وصفقات سرية، وبالتأكيد لهذا الأمر تأثير خطير على الأمن التعليمي، في ظل عدم القدرة على حماية مكتسبات مَن اجتهد وسعى بجِدّ وإخلاص نحو بلوغ غمار البحث العلمي الأكاديمي بشرف، ومن دون الاجتهاد والمثابرة في جو من التنافس النزيه تبقى صفة الباحث الأكاديمي مجرد شعار زائف يوهم كثير من الناس أنفسَهم باستحقاقه.

لست هنا في معرض الحديث عن مواصفات وخصائص الباحث الأكاديمي الناجح، بل في معرض ذكر أهم المرتكزات المعيارية للنجاح في ميدان البحث العلمي الأكاديمي، التي تحمل طابعاً قيمياً، ومن أبرز هذه المرتكزات:

- يضع الباحث الأكاديمي الناجح للقيم الأخلاقية مكانة كبيرة عنده لاعتبارها رمزاً للاستقامة ودلالةً على الصلاح ومثالاً للالتزام القويم.

- يعتمد الباحث الأكاديمي الناجح على موجهات قوية تتمثل في ضميره وقيمه وثوابته الأخلاقية والدينية التي ترفع من جودة أدائه البحثي المتقن.

- يستطيع الباحث الأكاديمي الناجح أن يلعب دوراً فعالاً في التوسط الجيد بين المادة العلمية المتوفرة والموثوقة، وما يبحث فيه من جهة، وبينه وبين محيطه الخارجي المليء بالتحديات والتناقضات القيمية من جهة أخرى.

- يقوم الجهد البحثي عند الباحث الأكاديمي الناجح على العطاء لا الأخذ، والعطاء قيمة إنسانية نبيلة تجعل الباحث يبدع أكثر؛ لأن إنتاجه البحثي يصبح غير مرهون بشيء يأخذه مقابل ذلك.

- يلتزم الباحث الأكاديمي الناجح بقيمة الأمانة في أعماله البحثية، وهذا ما يجعله أكثر انضباطاً بالأمانة العلمية وبأخلاقيات البحث العلمي الأكاديمي.

- يكون لبحوث الباحث الأكاديمي الناجح مقصد نبيل بعيد عن الحصول على أغراض نفعية شخصية، فلا يكون همّه هو الحصول على الشهادة العلمية أو الوظيفة أو الترقية أو المال أو الشهرة؛ لأن أسمى غايات العمل البحثي الأكاديمي إحداث تطوير مجتمعي وخدمة البشرية جمعاء.

- يتخذ الباحث الأكاديمي الناجح البحث والتنقيب والاكتشاف والإبداع والترقي في مدارج العلم والمعرفة وظيفة يومية وممارسة حياتية، كما أنه ينقل نتائج ما توصل إليه إلى غيره عن طريق الكتابة والتأليف أو الصناعة والاختراع؛ لتعم الفائدة بين سائر أفراد النوع البشري، أي أن باله لا يرتاح حتى يرى أبحاثه واقعاً ملموساً يستفيد منها الجميع.

- يقدم الباحث الأكاديمي الناجح إضافة جديدة إلى رصيد المعرفة ويسهم بتقدم العلم ودفعه نحو الأمام؛ لأنه يقوم ببحوث علمية رائدة وجادة ونافعة.

- يتقبل الباحث الأكاديمي الناجح فكر الآخر المخالف ويحسن تدبيره بشكل جيد، بحيث أنه لا يتعصب لرأيه وأفكاره، أي أن أفقه الفكري واسع جداً.

- يتبنى الباحث الأكاديمي الناجح قيمة التواضع عملياً، ولا يجد في نفسه حرجاً في نقد الآخرين له، أي أنه لا يتعالى على النقد، وهذا ما يجعل باب تقديم الإفادة ومنح المعرفة عنده مفتوحاً لأي كان، فيصير حريصاً على تلقف الحكمة من أية جهة جاءت، ولا يمكن أن يفلح في ميدان البحث العلمي الأكاديمي إلا من كان متواضعاً ليناً بعيداً كل البعد عن الغرور والغطرسة الزائفة والاستعلاء الكاذب.

- يتطلع الباحث الأكاديمي الناجح باستمرار إلى زيادة المعرفة؛ فهو في تعطش دائم إلى الاكتشاف والإبداع لتحدث الإضافة المتميزة والإسهام الحقيقي في تطوير البحث العلمي الأكاديمي بصفة خاصة، ونهوض المجتمع الإنساني بصفة عامة، أي أنه يضع بصمة خاصة في مجاله البحثي.

- يواكب الباحث الأكاديمي الناجح التطور اللامتناهي من حوله على المستويين المحلي والعالمي، ويظهر ذلك جلياً فيما يبحث فيه، بمعنى أن مشاريعه البحثية تتوافق مع الإمكانيات المتوافرة ومع متطلبات الواقع المعاش.

- يرسم الباحث الأكاديمي الناجح الطموحات النبيلة ولا يقزم البحث العلمي الأكاديمي في الحصول على شهادة جامعية تؤهله للحصول على منصب عمل عالٍ.

- يمارس الباحث الأكاديمي الناجح البحث العلمي بصفة دائمة ولا يعتبره مجرد محطة معينة أو مرحلة محددة يمر بها، بل يصبح البحث بالنسبة له هاجساً دائماً وعملاً يومياً مثله مثل باقي أعمال الحياة اليومية كالطعام والشراب.. فالذي يمارس البحث العلمي الأكاديمي لغاية معينة أو لغرض محدد تنتهي صلته به لمجرد ما أن تتحقق غايته ومصلحته الشخصية.

وبعد ذكر أهم المرتكزات المعيارية ذات البعد القيمي التي ينبغي الاعتماد عليها إذا ما أردنا أن نصنف باحثاً أكاديمياً ضمن زمرة الباحثين الناجحين. ورغم كل ما قيل يبقى البحث العلمي الأكاديمي من أصعب الأعمال التي تتطلب استفراغ الوسع وبذل الجهد والتسلح بالطاقة الكافية والصبر الجميل لمواجهة المتاعب والعراقيل المتوقعة على طول قارعة البحث.

وفي الأخير ينبغي التأكيد على أنه لا يمكن للباحث الأكاديمي أن ينتمي إلى دائرة البحث العلمي الأكاديمي بمعناه الصحيح إذا خرج عن الجوهر القيمي للبحث العلمي الأكاديمي، المتمثل في الصدق والمصداقية والإخلاص للمعرفة، ونشدان الحقيقة الخالصة والحرص على خدمة العلم بتقديم الإضافة إلى رصيد المعرفة الإنسانية ونفع المجتمع البشري، وهذه أهم مقومات النجاح في هذا الميدان.

كما أن الباحث العلمي الأكاديمي الحقيقي لا يقبل بطبيعته أن يكون وسيلة لتحقيق المآرب المادية أو الحصول على المجد الشخصي الزائف، ثم إن أصل النجاح يكمن في مدى توفر الرغبة الذاتية المبنية على أساس قيمي قويم في دخول غمار البحث العلمي الأكاديمي والخوض في هذا الميدان، وعدم الخروج منه لمجرد تحقق المصلحة الذاتية، وهذا هو وقود محرك النجاح الفعال والمتواصل، فالبحث العلمي هو سبيل من سبل الفلاح، ولن يحظى به إلا مَن قدم ضريبته ودفع ثمنه وكابَد مشقاته واقتحم عقباته لبلوغه بعد سلوك الطريق الصحيح المؤدي إليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.