المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمينة التبات Headshot

في الموسيقى . .

تم النشر: تم التحديث:

في اللّغَة كَلِماتٌ تَنفُذ بِها المَعاني الى مَبلَغِها، وَ انْ لَم يستَقِم لَها مَعنى فَهيَ منَ الغِشاوَة كَلامٌ لا صَدى لَه في قلْبِ الانسان . . أمّا عَن الموسيقَى، فَكلّ المَعاني واضِحَة جَلاء القَمر وَسط هالاتِه، حينَها تُفسِخُ الكلِمات أحرُفها ثمّ تنسابُ بين شُعبِ الرّوحِ في خفّة النسيم. انّهم يقولون "أنّ الموسيقَى لُغَة الرّوح" أمّا أنا فَحسبي ما أعرِفُه من أمْر نَفسي عَنْها، فَليس عَهْدي بالنوتاتِ وَ المَقامات الاّ كَ مثلِ مَعرِفتي بدواخِل نَفسي، منازِلها وَ قِمَم الصّعود. . لذلكَ سوفَ لن يبدو على كَلامي التصنّع في ما أريدُ قَوله، كَما لا تأخُذوا رأيي على مَحمَل الجِد لأنّ لكلّ منا موسيقاهُ التّي هِي نَفسُه .

تَرجَمة النّفس لِمعالِمها لا تتمّ الاّ عَبْر خَلقِ الصّلَة بَيْن أصلِها، وَ هَذا الأصلُ تفقِدُه اللّغَة ليس من حَيثُ كَونَها صنعٌ انساني لا
وُجودَ لهُ في الطّبيعَة فَحسب، بَل لأنّها "آلة" وَ هَذه لا يُمكنُها أنْ تَُصور مَلامِح الرّوح الانسانيّة الاّ بِزيْف، فالصّورَة الواضِحَة لا تَراها الاّ عَين تُبصرُ جيّدا . . أمّا وَ الموسيقَى كانَت أولى السّطُور في كلّ التشكيلِ الرّباني العَظيم، أمّا وَ قَد وُضِعَت قَبْل مَوضِع الانسانِ فيها، أمّا وَ انّ لُغة الطّبيعَة موسيقَى لَها جَلالُ التّعبيرِ عَن مَكنوناتِها وَ عوالِمها الدّفينَة، وَ لها منْ جَميلِ المَعاني ما يُصلّي لذاكَ الجَمالِ المُطلَق الذّي صيَغت مِنه قَوالِب الأكوان، وَ لها مِن الفَهم ما يتغَلْغلُ في الوِجدان دُونَما باعِث فَهم. وَ لهذا فانّ الموسيقَى لَها منَ البلاغَة في ايصالِ المَعاني أكثَر مما هي عليه الكَلِمة. . أيْ لأنّها تلك الصلّة الأصل بينَ المَخلوقات، وَ اللغَة لا يُمكنُها مِنَ التعبير أن تُجسد هَذه الصلّة، ذَلك أنّ هَذه "آلية" وَ الثانيَة "روحيّة" وَ مِن ثَم يتمّ المزجُ بينَهما على هَذا الأساس (روحٌ وَ ميكانيك). أمّا ما لي في الموسيقَى من فَهم فأنّها الأقَرب الى وَصْلِ نُقطَة الضَوء بالنور الذّي جائت منه، لأنّها وَ ببساطَة هِي منهُ أيضا. وَ أقرَبُ مثال في هَذا هُو ذلك الحَبلُ الذّي يكونُ بين الأمّ وَ جنينِها ، انهُما من ذاتِ الأصل . . لكأنّما يقولُ لَه في كُلّ مَرة لا تَنس أنّي وَ أنتَ منها، فاجعَلْني أنقُل لَك مِنها مَا تَغدو عليهِ بَعدَها. . لأجلِ هَذا خُلِقَت الموسيقَى في الطّبيعَة.

هَذه الموسيقَى، لُغَة السّماء اذ تَحبو على سَطحها السّحابات في ايقاعٍ واحِد، ثّم تَهفو على الأرضِِ دَندنات لا طَرَب لها في المَلحَماتِ الشّعرية وَ القَصائد. . وَ الأرضُ تَتماوَج كَما يشهَدُ بِه رَقصُ جَسد غَض، مائلَة عَلى السّحر حَيثُما حَل، بيْنَ تِلال وَ جِبالِها وَ الهَضبات . . وَ مِن أمْرِ الدّهشَة، قُبلَة على خَدّ نَديّ توقِفُ الزّمَن هائِما، حينَ تتشابَكُ خُيوطُ الشّمسِ في بَعضِها فيما تُعانِقُ غَيمَة رَخوة وَ لسانُ الكَونُ كلّه صامِتٌ مُتمتِم بالتسبيحات. وَ لوْ أنّ الرّعد يرْثي صَبيّاتِه بصوْتٍ مُتحشرِج، أوْ تُغنّي الأشجارُ نشيدَة قَوميّة، أو يغزلُ النّهرُ على أجرافِه قَمرا في الظلام، أو تَخشعُ الأغصانُ على غنا البَلابِل . . أوْ أصمُتُ أنا عن كُلّ هَذه الثرثَرة وَ أدَعك تتأمّل، هَل تُراكَ أفهَمُ ما أقول؟

لَيست اللغَة وَ الأوراقُ وَ الأقلامُ ناقِصَة، وَ لا بالعودِ وَ النّاي وَ الكَمنجَة تَسبيحَة بَتول أرتّلها فاذا بِها تَكشِفُ لي أغوارَ النّفس وَ مَعالِم الرّوح، اذ صحيحٌ أنّ الانسان صُنع وَ لكلّ صنع مِفتاح وَ الموسيقى لَها في النّفس الانسانية مَفاتيح، الاّ أنّ على تَموّجاتِ الخافِقاتِ وَ تعرجاتِ الرّوح تُغزَل المَعزوفاتُ الموسيقية . . حتّى اذا ما تَذوّقَها المستَمعُ تمثلّت لَهُ في صورَة نَفسِه وَ أمرِها فخيّلَت لَه أنّها عَذبَة، بيْدَ أنّ العُذوبَة صورَة ممّا التَصَق باللّحنِ منْها. .
وَ صورَة اللّحنِ أنت .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.