المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمينة التبات Headshot

لاَ أحَد سيقرَأ كِتاباتكِ

تم النشر: تم التحديث:

إنّها أحبّ الإجاباتِ إلى قَلْبي منْ مَجموعة تعقيبات على الطّريقة التي أكتُب بِها،
والتي طُرحت عليّ كثيراً على شكل أسئلة. مثال: هلْ تكتُبين بهذه الطريقة ليُقال عنكِ كاتِبة؟ وَأحياناً في شاكلة "مواعِظ" كَـ (اكتُبي شيئاً بسيطاً يفهمهُ كلّ القرّاء، اكتُبي ما يحبّه القارئ، لاَ تُحاولي إرغامَ نفسِك على سلْك طرق مُلتوية لتُبهري أحداً..) طبْعاً في كلّ مرّة أجيبُ على هذه التساؤُلات وَأحاولُ أنْ أوضّح وجهة نَظري التي أقتنعُ بها تَمام الاقتِناع، لكنّي حبذتُ أنْ أفصّل رأيي هَذا بالتطرّق إلى نِقاط متعدّدة، لذا دَعونا أوّل الأمر نُخمّن في السؤال: منْ هُو الكاتب؟ طَبعاً الإجابات ستكونُ متباينة باختِلاف رُؤية كلّ شخص عنِ الكاتب الجيّد.. إلا أني هُنا سأطرَح رُؤيَتي الخاصّة كَإجابة عنْ هَذا السؤال، وَبالتأكيد قدْ أكونُ صائبة كما مُخطئة..

منْ هُو الكاتب؟

الكِتابة في منظوري الخاص هيَ نسيج يحتاجُ إلى مجموعة منَ العناصر لكيْ يكونَ مُتكامِلاً:

- أوّلاً: اللغة وَهيَ مرآة الكاتِب وَالقالَب الذّي يسكُب فيه هَذا الأخير أفكاره، وَمنْ هنا فلا بُدّ لَه (القالَب) أنْ يَسع حَجم ما سيُسكَبُ فيه. اللغة إذاً وسيلة وَأداة ليسَ إلا، وَهي تنقَسمُ بدورِها إلى قِسمين، الأوّل خاصّ بالزّاد اللغَوي الذّي يستعملُه الكاتب.. فقدْ تكونُ لُغة ذات مُفرَدات بسيطَة مَفهومة عنْدَ القرّاء، أوْ قدْ يستخدِمُ لُغة ذات مُفرَدات غير مُتداولة نسبياً لَدى الجُمهور. أمّا الشّق الثاني فهو الأسلوب، هذا الأخير يختلفُ منْ كاتب لآخر، وَالكاتبُ المُتميّز هُو الذّي يطبَعُ أسلوباً لُغوياً خاصاً بِه.. نقصِدُ بالأسلوب الطريقة التي توظفُ بِها اللّغة وَالتعابير التي يعرُج بِها صاحب النصّ لبلوغِ فكرَته، هُنا أيضاً تختلفُ أنواعُ الأساليب.. لكنّي سأركزّ في هذه النّقطة على التّرميز كَأسلوب أنتهجه شخصياً في كتاباتي، وَالذي يُقالُ إنّه يحملُ منَ الغُموض ما يجعلُ القارئَ تائهاً وَسطَ فَرضيات كَثيرة يَصوغُها للبحثِ عن مقصِد الكاتب، قدْ يُفلِحُ أحياناً في التوصل إلى الفكرة المبتغاة وَقدْ يضيعُ أحياناً أخرى دونَ أنْ يعثُرعلى شيء بحيثُ

يبقى السؤال معلّقاً: ماذا يحاولُ فلان أنْ يقول؟

بالنسبة لي أنا أحبّ أن ألعب هذه اللّعبة الشيّقة، أنْ أرمي لَك فكرة هاربة وَأتركُك تبذُل مجهوداً عسيراً لكيْ تلتقِطَها، ليسَ في الأمرِ أيّ تعالٍ كما يزعُم البعض وَلكنّي أراها مُناسبة جداً لأن تكونَ لُعبة ذهنية، كَما أنّها لا تنتَقي جُمهوراً مُعيّناً أو "نخبة".. على النّقيضِ منْ ذلك، تبدو لي مُتاحة للجميع وَبإمكانِ أيّ شخصِ أن يلعَبها عوَضاً عمّا تعودناهُ منْ أفكار جاهزة على طبَق منْ ذَهب، وَالتي حتّى الكاتبُ نفسُه لا يتعبُ في تصويرها..

- التصوير هُو العنصر الثاني المتوجب في نصّ جيّد، وَهُو يعتمدُ على ما في جُعبتِك منْ خيال، فَأيّ نص لا بد أنْ يرومَ نسجَ صورة مُعيّنة في ذهن قارئه، وَلكيْ يتم هَذا النسجُ منَ الضروري أن تتوفر النسخة الأصلية لهذه الصورة لَدى الكاتب.. لكنْ هَذا لا يعني أنْ يتم تناقُلها إلى أذهانِ المتطلعينَ عليها نقلاً منسوخاً، الكاتبُ الذّكي في نظري هو منْ يفلحُ في أن يرسمُ في ذهن كل قارئ صورة مُختلفة الألوان عن الصورة الأصلية.. (طبعاً اختلافُ الألوان هَذا لا ينبَغي أنْ يفسد رسالة اللوحة) هُنا إذا تتجلى مُهمّة الخيال، في براعة تصويرِ فكرة ما بأكثر منْ صورة، بحيثُ يعملُ هذا الأخير على تقديمها في قالَب مُبهم يعطي إشارات عَديدة وَالمعنى واحِد. وَهذا إنْ دل على شيء فَحتماً على أنّ الكتابة هي عملُ تشارُكيّ بين الكاتب وَالقارئ

وَليست أبداً مُجرّد بِضاعة يتم تقديمها وَتقبلها بطريقة جافّة وَجامِدة.
هَذا منْ جهة، وَمنْ أخرى، منْ قالَ إنّ القراءة هيَ إدراكُ رسالة ما؟ إنّ القراءة بالنسبة لي على الأقل هيَ مُتعة البحثِ عنْ هذه الرّسالة وَليسَ في إيجادها..
بالضّبط، العنصُر الأخير هُو الرّسالة أو لنقُل المَعنى.

- إنّني أقول: حيثُما وُجدت نُقطة، وُجدَ ألفُ طريقٍ للوصولِ إليها.. المَعنى إذاً هُو غاية الكاتِب وَالمحطّة الأخيرة التي منْ أجلها تحمّل مشقة الطريق، مُتعة الوُصول إذا لا تتحققّ إلا في الطّريق الوَعرة.. ما أحاولُ قوله في هَذا الصدَد هُو أنّ الرّسالة لا ينبَغي أنْ تصلَ منْ خلالَ طريقٍ واحدة أو أنْ تحملَ دلالة واحدة، قدْ يجدُ القارئُ نفسه وَقدْ اختلَط عليه الأمر ما بينَ الصورة-الصورة، وَالصّورة-الدلالة، فيستعسرُ عليه الفهم.. بحيثُ تكونُ الأولى ما وظّفه الكاتبُ كَأداة للوصول إلى الثانية وَالتي برأيي لا ينبَغي أن تكون إلا في ذهن القارئ، أيْ أن يُعمل عقلَه ليصلَ إليها.

قدْ يقولُ قائل: لكنّني لا أفهم شيئاً مما يقصدُه فُلان؟ ولماذا يستعملُ كلّ هذه الرّموز ما دامَ بوسعه أنْ يقولَ ما يريدُ قوله بطريقة بسيطَة؟
الإجابة على هذا السؤال طويلة إلى حدّ ما، غيرَ أنّي سألخصّها في تجربَتي..

عندَما يتعلّق الأمرُ بي فَأنا أحبّ ألا تفهم، إذاً ما ضرورة أنْ تفهم دُونَ أنْ تُفكر.. نحنُ في العادة نفهم النّص الأدبي كَعمل فنّي إنساني بالكامل وَهذا خطأ، حيثُ هذا الأخير لنْ يكونَ نصاً ممتازاً إلا إذا توفرّت فيه المعايير الفنيّة إلى جانب البراعة العقلية.. وَهنا أقصدُ بتوضيح أكثر، أنّ الكاتب المتميز هُو منْ يتعب عقله لبناء نص ما، ليسَ تعباً بإيجاد المفردات والعبارات المُناسبة وَلكنّه تعبٌ في إخفاء فكرَته.. هَكذا وَببساطة
لماذا إخفاءُ الأفكار داخل الرّموز؟

شخصياً أنا أحتقرُ الكاتب السّخي وَلا أؤمنُ به، وَأصفّق لآخر يستكثرُ عليّ فكرَته
وَيستحوذُ عليها بكلّ جُهده.. إنّه يدعوني كما أشرتُ في السّابق أنْ أبارزه فيها
وَأنتزعها منْ عُمق غموضه وَرمزيته، هَذا الشّحيح في نظري سأعطيه لقب "كاتب" باستحقاق. أمّا من يقولُ إنّ انتهاج لغة صعبة وَأسلوب "معقد" هو تحقير للقارئ، فَأنا أرى عكسَ ذلك تماماً..

منْ يحتقرُني إذا، هلْ ذلك الذّي يُقدّم لي سمَكة جاهزة كلّ يوم، أم الآخر الذي يخبئها وَيطلُب منّي الحُصول عليها استحقاقاً؟
ملحوظة: أنا لا أعتبرُ نفسي كاتبة مُتمرّسة وَهذا المقال لا يعدّ كونه مجرّد رأي أؤمنُ به.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.