المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمينة التبات Headshot

كيف أصير فنانا ,!؟

تم النشر: تم التحديث:

إنّ التركيب الإنساني مُتجلّ في صورة فنيّة مُتناسقة الألوان، إنّها ريشة الله التي لا تُخطئ أيّ شيء دونَ تَراص، ومتى ما كانَ الله جَميلاً كانت حبّات إبداعِه الخلْقي في كُل ما عَجنتهُ يداه.

الإنسان قطعَة موسيقيّة مُتعددّة المَقامات التي تختلف من ذاتٍ وأخرَى، حيثُ تتناغَم النوتاتُ معَ الكلِمات المَسطورَة حَسب كُل شخص، ذلك التناغُم الذي يُحدث الفارقَ بين كل روح وتَوأمَتِها، أختانِ من رَحمٍ واحِدة وغشاء واحِد، فكانَت هاتِه تَخمشُه بخفّة وتتَهافَت بِيَديها الى الأضواءِ المُنبعثة، وتِلْك استَمرّت مُنكبّة على ضوء واحِد أوّل قَلبِها. والاختِلافُ من هُنا كَثير.

لَقد كانَت آية الله في هذا الكَون الواسِع وَاحِدة، مَهما تعددت وُجوهُها وأسماؤها.. أتدرون ما تَكون؟ إنّها الحُب.. نَعمْ نَعَم، فَليس ثمّة من مَخلوق على هذه البسيطة إلاّ وتلقّى تعاليم الحُب من خالِقه. مُخطئون.. لَيس ذاكَ ما أقصِدُه، الشعور المُلازِمُ لبريق العَين، يتوهج وينطَفئ كُلّما انتَفضت في الإنسانِ أجنحة الرّغبة، لَيس هذا إطلاقاً هُو..

بَل ما أعنيه، تلك الكلِماتُ المَكتوبة بسُطور مَخفيّة عَلى صُدور البَشر، الكائنات، الأشجار والأطيافُ والأشياء والجَمادات، وإنّكَ لا تَقْرأها إلاّ إذا أنتَ نثَرت علَيها مَاء قَلبِك المُلقّح بِجُدور تَينِك الياسَمينةُ الصّفراء، حَيث تنبُث فَوق رأسِك، حَينَها فقَط ستعلَمُ عمّ أتحدَث..

هَب أنّك فعلت إذَاً، ستعي آنَذاك أنّ ما من شيء في هذا الكَون إلاّ وفيه نبضٌ منَ الحَياة، ما منْ شيء إلاّ وينبِضُ من وَحي الله ويتنفّسُ من جَمالِه اللامُتناهي، ما مْن شيء إلاّ ويُسبّح بحمدِ الله.. و"كُلّ يَعبُد اللهَ بطريَقتِه" هكذا قالَ أحدُهم مَرّة.

إنّ هذا الذّي يُسمّى كَونا لا يُمكنُ أن يكونَ واحِداً أو وَحيداً، بَل إن هُناك أكواناً أخرى آخذة في الحَياة لا نَعلَمُ عنها شيئاً، هيَ أيضاً تَعرِفُ الله بكلّ ما فيها وتتنفّسُه وتتحدثُ بِه بعيداً عنْ أسماعِنا.

إنّ يَد الله التّي أحسَنت تسويَتنا لا يُمكن أن تنمَحي آثارُ خُطوطِها منّا، إنّها تتكلّمُ فينا وتُخاطبُ ريشاتِها المَنسية في كُل مكان.. ولكنّ قَليلٌ مَن هُو يَفقهُ لَغتَها.

لُغة الله كَما ألِفناها ليست فقط في آي القُرآن الذّي عَلينا قراءَته كَي نتحدث إليه، وليست فقط في الصلواتِ التي نَقوم بها كَي نكونَ قريبين إلَيه، ولا في الدعواتِ التّي نظلّ نلهَثُ بها كَي "يرضى عنّا الله".. بَــل إنّهَا أقْرب وأسْهَل وأجْمَلُ أيضَاً.

إنّهُ الحُب الذّي تكلّمنَا عنْه، والحُب ها هُنا سَوسَنة بَيضاء (لا أدري ما اذا كانَ هُناك سوسَن أبيَض) وَلكنّها زَهرة مُقدّسَة مَنبثُها كانَ الجَمال الذي خَلَقنا اللهُ عَليه، ألَم يُراوِدْك السؤال وَلوْ مرّة: تُرى لمَ خَلقني اللهُ جَميلا؟ أوْ أقْرَب.

هَل جرّبت أن تتأمّل فيما يُحيطُ بِك كَي تستنشق فواحَ الرّائحة التّي تَغرقُ فيها؟ أوْ أبسَط، هل قلّبت ناظِرَيك يوماً مَا فيما حَولَك، لا أقولُ أنْ تُسافِر وَترى مناظر جديدة عَليك أو مَخلوقاتٍ مُدهشة أو عجائبَ تُبهر عَقلَك كَي تقولَ: "سُبحانَ الله"، الأمرُ أبسَطُ بكثير، جَرّبْ أنْ تتأمّل وَجهَك وَقلبَك وَرِجلَيك، جرّب أن تستلقِ على الحشائش وَتنظُرَ السماء.. أن تأخُذ بين يديكَ حفنَة من تُرابْ، هَل تحسّستَ حُبيباتِ الرّمل من قَبْل؟

أنْ تُقبّل أقحُوانة ذابلة كما لَو أنّك تُصلّي.. أو حَتّى تتأمّل الشوْكة لِمَ ليسَت وَردة.. أنْ تضحكَ من فراشَة رمادية اللّون تتراقَصُ حَول الزَهرات كما لو أنّها حقّا كذلِك.. هَل جرّبت؟

لَو تَفعل، ستعي ما أرمي إليه هُنا، ستفهَمُ أيّها السائلُ كَيف تَصيرُ فنّاناً.. يبدو لكَ الأمرُ غريباً أو قُل بتعبير أدق: متشابِك حيثُ ما العلاقَة بينَ ما تكلمتُ عنهُ سابِقاً وبين أن تَصيرَ أنتَ فناناً، سأخبرُك ببساطَة أنّه الأمرُ نَفسُه، وسأجيبُك إذا ما تساءلت قَبْلَ قليل: تُرى لمَ خَلَقَني اللهُ جَميلا؟

لَقد علّمونا في صِغرنا أنّ الإنسان هُو أشرَف وأجلّ ما خَلَق الله، إذ يقولُ سُبحانه وتعالى "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"، ولقنونا أنّ هذا التكريم إنّما جاء عَلى هيئة العَقل الذي ميزّنا اللهُ به دون مَخلوقاتِه الأخرى.

أمّا عنّي أنا فلستُ أنكرُ ذلكَ البتة، كُلّ ما في الأمرِ أنّ لي وجهة نَظَر أخرى. لَقد نَفخَ اللهُ روحَه في كافة الأرجاء من هذا الكون الواسِع، وأسبَغ آيَة جَمالِه في كُلّ المَخلوقات ولمْ يُحدد فَرقا في ذلك، ولكنّه جَعلَه دَرَجات.

إنّ الأشياء والجمادَات لا تنطِقُ شيئاً، هذه فقَط تُسبّح جَلاَل الله ولا نفقهُ تَسبيحَها، ثم الكَواكبُ والنُجوم، والسماواتُ والأرض، والجبالَ والسهول، والأنهارَ والبراري، هيَ تَكتُب آية الله في لوْح مَرئي بقُلوبِنا، ثُم الحَيواناتُ والكائنات والأشجار، تلك تكتُبُ آيَة الله وتعزِفُ أغنياتِها فتسمَعَ قُلوبُنا أيضاً، أمّا الانسان فذاكَ يدُ الله الثانية، يُسبح (ولو كانَ لا يَدري من أمرِ نَفسِه) ويكتُب ويَعزِف ويغنّي كَلِماتِ الله كَما لوْ شاءَ صوّرها، حيثُ هُنا هوَ فنّان بالفِطرة يملكُ القُدرة أن يُصور جَمالَ الله كَيفَما أراد. إنّه خليفَة الله في الأرض وامتداده الذي على مَلكة روحِه تُصنَعُ الحيوات.

ليسَ الأمرُ أن تكونَ فناناً، أن تتعلّمَ ما يكونُ ذلك وكيف يكون ومتى ما يكون، ذلكَ أن الفن بعيدٌ كل البُعد عنِ المُعطيات الثقافية التي تَلت نشأة الإنسان في الأرض.. بَــل أجَل وأرفَع، إنّني لأرى ما آل إليه مُصطلحُ "الفن" في أيامِنا هاتِه فأصابَ بالخَيبَة لكثرة الغِشاوة التي تملأ البصائر والأفئدة، إنّ الفَن هو عمَلُ الرّوح وليسَ أغنية فارِغة المَعنى أو لوحَة مُشققة الألوان أو قصيدَة مُعوجة الوَزن، لَيس هذا.. بَــل أن تُدركَ أنّك فنّانٌ كَيفَما أنت وأنّ الله إنّما خَلقَك كَي تكونَ كذلك، مِن مَبدَأ أن تكونَ لَديكَ مَلكة.. إحساسٌ تَصنَعُ بهِ نَفسَك وتُظهرَكَ للعالَم لا عنْ طَريقِ الثقافَة المُكتَسبة لا، نَحنُ لا نتحدثُ عنِ الواقعِ والمَجتَمع والحياة المادية الآن.
إنّني أعني أن تبحثَ عن مَلامِح إنسانيتِك قَبل أن تصيرَ "مُكتَسِباً"، أن تَجدَ ذلكَ الشيء المُنفردةِ بهِ روحُكَ دونَ غَيرِها ثُم تَصقُلَه ومنْ ثَمّ تُقدّمَ للعالَم إبداعاً جَديداً. لا يقتَصرُ الفن إذاً علىَ الغناء والموسيقى، المَسرح والسينما، الشعر والكتابَة.

إنّه أعمَق، ومكانُه الذاتُ الإنسانية حَيثُ لا يتجزأ منهَا، فلوْ وُجِد ثمّة فيصَلٌ بَينَ الجَسد والرّوح لكانَ الفن.. مُنبَثقاً من وَحي العَوالِم اللامُتناهية التي تُصورّها روح الإنسان، مُتجليّة بدقّة في حَواسِه وانفعالاتِه. وإذ هُما متَلاحِمان الجَسد والرّوح، فالفنّ هُو تَينِك النوتَة التي تَخلُقُ تَناغُمَهما، مُترجَمة إلى الواقِع في صورَة إبداع.
هَــل تَبدو أنّك فنّان؟
سأجيبُك أنا.. الفَلَكي والطبيبُ وعالِمُ الفيزياء فنّانونَ أيضاً، تقولُ صديقَتي إنّهم متىَ ما أتقنوا ما يقومونَ بهِ صاروا كَذلك، أتفقُ معها وأزيدُ أنّ كُلّ "عامِل" في مَجالِه بِحُب وإرادَة وإحسان هُو فنّان، لماذا؟ لأنّ باعثَ الحُب في الإنسان كَما في الكَون كَكُلّ، أصلُه العَطاء والإنتاج، فالحُب الذي لا يزرَعُ ويسقى ويحصُد لا يُعد حُبّاً.. ومن هُنا فإن ما من إنسان أحبَّ عمَلاً وأخلَص إرادَته له إلاّ وصبّ فيه ماءَ روحِه وصبغَته الفنيّة، إلاّ وعجَن فيه قَطْرَ إحساساته ومشاعِرِه، إلاّ ونَحَت فيهِ شَكل قَلبِه الهَندسي، إلاّ وجَعلَه كَلِمتَه في الأرض.. ثُم إذا ما انتهى عُمُره، جَعلَ فنّه يمشي في الأكوانِ يقولُ هذا أنا اقرأوني.
هَــل عَرفتَ الآن كَيف تصيرُ فنّاناً؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.