المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمين حمزاوي Headshot

هلاوس لا أخلاقية عن التحرش "1"

تم النشر: تم التحديث:

"نحن في مجتمع ريفي بطبعه، ولا يقبل أن تسير فتاة بهذه الملابس حتى لا تتعرض لهذه المضايقات"، كانت هذه شهادة أحدهم على واقعة التحرش الشهيرة بفتاة الزقازيق؛ لأنها عادت من زفاف صديقتها بـ"فستان قصير".

تبع الواقعة بعد فترة اقتراح لنائبة برلمانية بإجراء عمليات إخصاء للمتحرشين دون التعرض لجذور المشكلة، فقط تم الالتفات إلى أن الإخصاء الطبيعي أرخص وأوفر من الكيميائي.

هدفي هو تفنيد أسطورة أن التحرش سببه "لبس البنت"، أسطورة الأخلاق وقوانين القرية بشكل عام، الثرثرة الدينية الدوغمائية -الجامدة- من القرآن والسنة ومن أي مرجع ديني أو غير ديني للطبقة المتوسطة و"لفّها ودورانها" المستمر حول نقطة انعدام الأخلاق وإن شباب الجيل الحالي "الصايع" -أولاد وبنات وبنات بالتحديد- هو المسؤول الأول والأخير عن ظاهرة هي في الحقيقة مجرد قمة جبل من التخريب والاغتيال التاريخي لعقدنا الاجتماعي، العبث الأيديولوجي الرسمي والإعلامي المؤسس لأسطورة: "إن المصريين ولاد بلد، وابن البلد ما يعملش كده في بنت حتته" - على أنه من الطبيعى "يعمل كده في بنت حتة تانية" - ولأن هذا التوجيه لا يصح إلا في كتاب قرية وليس في بلد بهذا الحجم.

لكن يظل المألوف كذلك في ظل مجتمع "قروي" تتلذذ نخبته البرجوازية بترييف كيانه المديني (تحويل المدينة في جوهرها إلى ريف) وتحويل عقده الاجتماعي إلى عقد أخلاقي بين أستاذ يملك "خرزانة" وتلميذ في كُتّاب قرية على طراز "قانون العيب" الساداتي الشهير.

نوستالجيا الطبقة المتوسطة و"برجوازية السماسرة الكمبرادورية من مُحدثِي الثراء السريع وأعداء التحديث الطُفيلين" للناس "اللي ما بقوش زي زمان"، ولأنهم "ما بقوش مش زي زمان"، فقد انتشر التحرش حتى صار علامة مميزة للشارع المصري، تفسير مبتور يصلح لكل من يرغب في "تكبير دماغه".

لكن يبقى الاعتراف بمدى تعقيد الظاهرة الخطوة الأولى التي تدفعنا للبحث عن الجذور.

في البداية لا بد من التأكيد على أن الظاهرة الاجتماعية كما نراها هي مجرد قمة جبل من التعقيدات التاريخية المُؤسسَة على ظروف مادية وسياسية وثقافية تتفاعل وتؤثر في بعضها البعض على المدى البعيد والقريب، بينما فصل الظاهرة عن سياقها الواسع الجامع لعدة أشكال من التفاعلات ما بين كل تلك الظروف وحصرها في خانة واحدة وردها إلى مسبب "قيمة مطلقة" يمثل تشويهاً متعمداً لتحليل الظاهرة.

الانفتاح.. القرية.. الطبقة الوسطي

لن أعارض بلهجة ناصرية عتيقة ما فعله السادات بمجتمع عبد الناصر التقدمي الحر السعيد؛ لأنه لم يكن كذلك تحديداً، لكن الحق كان في وجود تركة تحديثية عريقة على مدار قرنين، تم نسفها في حقبة السادات وما تلاها، وهنا تكمن المشكلة؛ لأنه ببساطة تم نسف محاولات بناء المجتمع المصري ليس على أساس علماني حتى؛ لأن المشكلة لم تكن في سؤال البناء على أية أساس بقدر ما كانت في اعتبار "الحاكم الأب" دائماً وأبداً ضرورة لتوفير هذا الأساس، سواًء كان علمانياً كما كان عبد الناصر -لو اعتبرناه كذلك- أو مؤمناً بطبعه كما كان السادات، فكان لا بد من إنتاج نظام أبوي -تعبوي- ومتسلط، يتجه بالأمس ناحية العلمانية؛ لأن الحاكم الأب القديم كان يعتقد أنه يرغب في ذلك، ويتجه اليوم صوب الثقرطة؛ لأن الحاكم الأب الجديد يريد ذلك، في النهاية يظل المجتمع صورة من دماغ الحاكم، ولأن جيل مثقفي الخمسينيات والستينيات الذي كان- أو على اعتبار أنه كان- تقدمياً عن غيره في المسائل الاجتماعية، وخاصة علاقة الرجل بالمرأة، تساهل وتكاسل عن تأسيس قاعدة اجتماعية وشعبية لأفكاره التقدمية على الأرض بين الجماهير -تكاسل حتى عن تطبيق نظرياته باستغلال التناقضات التحتية في المجتمع القديم للإسراع في بناء واحد جديد- ولأنه اتبع الحاكم على اعتبار أن المصلحة واحدة، كانت الصدمة مع بروز حاكم جديد لم تتفق معه المصالح، ووقف جيل التقدميين حائراً منهاراً وهو يشاهد أجمل ما أسقطه الحاكم التقدمي القديم من دماغه يُسحق بأقدام الحاكم الجديد وزُمرته.

يجب الكف قليلاً عن صراخ "الغزو الوهابي" وفقط؛ لأن من يصرخون بذلك لم يمارسوا مهتهم التاريخية في دعم التغيير من أسفل، تحرير بنية المجتمع القديم باستغلال تناقضاته وتوليد بنية أخرى حديثة، التغيير الناصرى أو "الناصرية" بشكل عام غيَّرت في تركيبة الإنتاج، التحول من الزراعة للصناعة، وخلخلت أو استبدلت الهرم الطبقي للمجتمع الإقطاعي الملكي لكنها لم تقارع الموروث العقائدي والتقليدي بانحيازاته وتناقضاته وتصوراته الماورائية عن العالم، الفشل في إحداث تراكم رأسمالي صاحبه فشل في إحداث تراكم للمفاهيم التقدمية التي كانت مجرد خطابات سلطوية لا أكثر، ولو أن المقابل لكل ذلك هو ما حدث لكان من المستحيل على مليون "غزو وهابي" إعادة "ثقرطة" المجتمع بهذه الصورة الجذرية في سنوات معدودة.

ببساطة عملية التنوير لم تكتمل أبداً؛ لأنها تمت في معظم الأحيان بطريقة تسلطية (من فوق)، ولأن المجتمع كان دوماً صورة من دماغ الحاكم، ولأن المثقفين كانوا دوماً صورة من مشروع الحاكم، كان من السهل على الحاكم الجديد ومؤيديه تثوير أفكارهم، هذه المرة بغلافها الديني والخرافي "القروي" الوسطي الجميل الذي يصعب جداً فيما بعد انتزاعه من عقول الناس، عند هذه النقطة كان تم الإشباع وثبتت عند الجماهير القناعة الأبوية التي لم يعد من الممكن تغييرها على نفس المنوال القديم "كصورة من دماغ الأب"؛ لأن الأب كان يزداد رجعية كل مدى، ولأن الصور التي كانت تتساقط من دماغه التحقت بالجنة والنار وعذاب القبر وهي أشياء يصعب على الجماهير -إذ ترسخت عندها بالفعل- التراجع عنها أو معارضتها.

الغريب والمشترك في آن هو أن الطبقة المتوسطة كانت الشريك الأساسي لعبد الناصر والسادات كليهما، الشريك المهيمن على حلم عبد الناصر بأحلامه وانكساراته، والخاضع الأول لحلم السادات بانجرافاته وتحولاته صعب التراجع عنها: عملية " ترييف" المدينة المصرية، هدم التصنيع وإعاقة التحديث، "ثقرطة" الدولة -تحويلها إلى دولة دينية- على كافة المستويات، الطبقة المتوسطة لم تتشكل بوضوح إلا في عهد عبد الناصر مع تمتعها بثمار التأميم والصناعة الوطنية و"الاشتراكية" في أبرز تجلياتها "مجانية التعليم".

لكن مكتسباتها الناصرية لم تكتمل لأسباب كثيرة، أهمها كان النكسة ورحيل عبد الناصر تاركاً خلفه أرضاً محتلة واقتصاد حرب مُثقَلاً، أوراق تيسر استغلالها في لعبة سياسية كبيرة لإحداث تحولات جذرية في المجتمع، والتقط السادات طرف المبادرة واستفاد في فترة التحول -على الأقل- من إخاء المثقفين أنفسهم (فقدان الظهير الشعبي) القادر على دعم عملية التحول الاجتماعي، ونجح في استدعاء عدو عدوه: الإسلاميين.

ستنطلق ما تسمى بـ"الصحوة الإسلامية" ويبدأ التأثير الأكبر بين الشباب في الجامعات، وتتحول العلاقة بين الرجل والمرأة -تصورات كل منهما عن الآخر ومكانة ووضع الجسد داخل منظومة التواصل البشري البسيطة والأولية- كانت الهزيمة الملحمية لمشروع عبد الناصر درساً اعتبره كثيرون الرد الإلهي على إهمال الدين، وكان التحول الاقتصادي النفطي لدول الخليج فيما بعد فاتحة الخير للمصريين -الطبقة المتوسطة من المهنيين والعمال- بالسفر والعودة مُشبّعِين بثقافة المهجر، ولأن الحاكم الأب والمؤسسة الدينية مُمثلَة في شيخها الوسطي الكاريزمي واسع الانتشار كانوا قد عززوا أفكار العودة النبيلة لـ"الإسلام"؛ لُتقر بعد ذلك في الدستور، ولأن الإسلاميين (أهم حلفاء الحاكم المؤمن) -في مرحلة ما - أرادوا ذلك، لم يعد بالإمكان وقتها التراجع عن التخلف بعلاقة المرأة بالرجل ألفي عام إلى الوراء، ستهب أفواج الخليج المُحملة بالمراوح الكهربائية إلى جانب أغطية الوجه "النقاب" جاذبة معها كل ثقل صحراء الخليج العقائدية وتدينها البدوي الخشن.

أما عن المثقفين، فلن تعود مساواة المرأة بالرجل غير أحاديث تُدار في مزادات حقوق وأعياد المرأة -الدولتية- السنوية، بينما حوصرت المرأة يومياً، فرضت عليها قيود القَوامة، استدرجت داخل دائرة المحظورات، فصلت بينها وبين الرجل المدارس والجامعات، وفصلت بينها وبين الرجل داخل الأسرة الواحدة حواجز لم تكن معهودة من قبل في المجتمع المصري، تأثرت حتى عمارة المنازل وصار ركن الحريم ظاهرة في معظم البيوت، فصل لا يوفر إمكانية وجود علاقة سوية بين الجنسين داخل المجتمع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.