المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمين حمزاوي Headshot

مكة من شبع الروحانية إلى خواء ستاربكس

تم النشر: تم التحديث:

غابت الكعبة عن المركز، لم تعد مُلْتَقى للأعين، ولا محورًا للاهتمام، منذ صارت مجرد بناء - لا يتجاوز ارتفاعه 15 متراً - على أطراف كتلٍ صلبة، وخرسانية عملاقة خاوية بلا هوية ولا معنى.

من الروحانية إلى المادية

لم تعد مكة تلك المدينة الفائضة بالروحانيات، صارت مدينة أضواء، تكسوها ناطحات سحاب أعلاها تلك التى تَحد المسجدَ الحرام، مُتَوسِطًة لكتلة من 6 مبانٍ أخرى تضم أفخم الفنادق والشقق.

فخامة، عملقة، وارتفاعات شاهقة، يأتي الزائر إلى مكة فيتضاءل أمام نفسه في مواجهة الهياكل الصارخة الضخمة، ويدخل في حالة من الاغتراب وربما الصدمة الحضارية، الزائر المقصود هنا - بصورة أساسية - هو الحاج الذي جاء يتلمس آثار النبي ومنشأ الدعوة، ليفاجأ بأن لا أثر، وبأن المدينة قد ضاقت بمظاهر الاستهلاك التي احتلت مظاهره واجهات الأبنية، وازدحمت الطرقات والشوارع بالمستهلكين.

ماركات تجارية شهيرة، ومطاعم - أميركية - للوجبات السريعة، ترسم حالة من السيولة الناشئة عن الاندفاع وراء إشباع اللذات، سيولة تدفع كل ما هو إيماني - روحاني - صلب إلى التبخر في سماء الأضواء المبهرجة الساطعة، والتي هي أصلح لملاهٍ يغرق فيها الإنسان في لذة مادية، وهو في حالة من الخواء النفسي أو العاطفي.

ليس لمدينة كانت تشد إليها الرحال لمقاصد بعينها، منها: الخروج من كدر الماديات إلى صفاوة الروحانيات، وتوطين النفس على القصد والزهد والترشيد، وعلى التواضع الذى يكسبها الرحمة بمرور الوقت، وتعزيز المساواة التي هي من صلب عقيدة الإسلام، مساواة لم تعد بالإمكان؛ ومكة تمثل - في طورها الرأسمالي الحديث هذه المرة - ما كان واقعاً في زمان تجارة البدو قبل ظهور الإسلام. أثرياء يطلون على المدينة من عليائها، وزوار كسالى أفرغتهم دعاية العولمة من الجوهر القِيمي الإنساني، وأدخلتهم في دوامة البحث عن الذات بين زحام السلع المادية، زوار أتخمتهم الوجبات السريعة الأميركية المفرغة من الثقافة والهوية. عادت مكة لتكفل للقبيلة أرباحاً ضخمة، وتحفظ لها مكانة بين سائر العرب، وبين المسلمين في زماننا اليوم.

عمارة التَفرِيغ

اتخذت العمارة الإسلامية فلسفة في التشكيل والتوظيف، تعيد صياغة البناء لتلبية الحاجة الروحانية لدى الإنسان المسلم، فكان المسجد - وهو النموذج الجامع للعمارة الإسلامية - فسيحاً تغلب عليه بساطة النقوش والزخارف، مع عبقريتها وجمالها، وكان الصحن - الساحة المفتوحة في مساحة المبنى - أحد أهم عناصر العمارة الإسلامية، كان نموذجاً دالاً على رؤية تمنح الإنسان بعدًا يشعر فيه بالحرية، والراحة، ليمنح لنفسه ولعقله مساحة من الاتصال بينه وبين الكون، وبينه وبين الخالق.

شَكّلت البهرجة تناقضاً مع البساطة التي راعاها المعماريون - إن شئنا التحديد - على مستوى المساجد ومنازل عامة الشعب، وإن اختلفت الرؤية مع عمارة القصور.

سار تخطيط المدن على ذات المنوال، بانتشار العمران من الأطراف إلى الوسط مع الحرص الشديد على بسط المساحات الفارغة في الوسط، لما يمثله الوسط من نقطة التقاء واختلاط، يحتاج البشر فيها إلى الشعور بالرحابة والامتداد.

اتخذت عمارة مكة نماذجها الإسلامية من تلك التصورات، مع اختلاف الآليات والتفاصيل باختلاف التوجهات من خلافة لأخرى. لم تكن مكة مركز ازدهار، لكنها حظت بالاحترام والتقدير نظراً لقداستها ما كان دافعاً للحفاظ على المدينة بقالبها الأساسي، حفاظاً على تراثها الذي يشكل وجوداً "مادياً" - بالمعنى اللفظي للكلمة - لتاريخ ونشأة الدعوة.

تتضح الصورة لتظهر التناقض بين واقع معماري حفظ للمدينة الأقدس - في نظر المسلمين - تفردها ومكانتها، وبين واقع مكة الآن، حيث انتقلت عدوى التسطيح المعماري النفعي الأميركي، الذي يُفرّغ البناء من الروح، والثقافة، والهوية، بل ويفرغ الحضارة من معانيها، هياكل من الإسمنت - بأطوار متشابهة - ترتفع كثيراً عن الأرض، ضخامة متوحشة تبتلع ضآلة الإنسان بين الشوارع التي تشبه مجرد ممرات بين الهياكل بعضها البعض، فُتفرِّغ الشارع من مضمونه كملتقى بين الفئات المختلفة التي تحوم أحلامها حول ما بداخل تلك البنايات، تأمل أن تلج إليها - للوظيفة أو السكن - باعتبارها منتهى الصعود الذي يمنح الذات قيمتها. هذا ما صارت إليه مكة، أصبح برج الساعة حلماً يسمو فوق حلم البيت الحرام، ومركزاً لمجاله البصري.

بين "الفيشاوى"، و"ستاربكس"

تصور - على سبيل المثال - مقهى الفيشاوي الكائن بحي الأزهر بالقاهرة في مصر، وقد صار بين ليلة وضحاها مقهى للعلامة الأميركية الشهيرة "starbucks"، ماذا يكون رد فعلك؟ وقد صارت رائحة التراث إلى رماد، وتحول فنجان القهوة العابق بالأصالة إلى كوب بلاستيكي تفقد معه المعنى والاتصال الشعوري، كوب ينتظر القمامة.

هي كارثة، حينما يتحول مقهى إلى آخر مشوّه تماماً، بالرغم من أن وظيفة المكان ظلت كما هي، فما بالك إن علمت أن بيتاً هو "بيت خديجة بنت خويلد، الزوجَة الأولَى للنبي تحوَّل إلى مجموعة أماكن لقضاء الحاجة"، وفقاً لما ذكره تقرير - صادر منذ نحو عامين - لصحيفة "نيويورك تايمز"، وأنه وفقاً لذات التقرير*، فإن "برج الساعة الملكي في مكة، الذي أنهي في 2012، تم تشييدهُ على أنقاض نحو 400 موقع تاريخي وثقافِي، بينها مبانٍ يعُود عمرها لأزيد من 1000 سنة".

"البيوت العُثمانيَّة الجميلة، بنوافذهَا المشبكة، وأبوابها المنحُوتة بدقَّة متناهية. لمْ تسلم من الإزاحة، وتمَّ تعويضُهَا بمبانٍ أخرى عصريَّة".

"المبنى الوحيد ذو الأهمية الدينية، الذِي لا يزَال شاخصًا في مكَّة، هو المنزل الذي نشأ فيه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، لكنَّه ظلَّ طوال فترة طويلة سوقًا للماشية، قبل أن يتحول إلى مكتبة، لكنهَا لمْ تكن مفتوحة للناس".

وأردف التقرير: "عدد لا يحصى من البنايات القديمة، بينها مسجد بلال، ترجعُ زمنيًّا إلى عهد النبِي، تمَّ مسحُهَا بالكَامل". بالطبع تم استبدالها إما بالفنادق الفخمة، أو البوتيكات الفارهة، ربما نكتشف فيما بعد أن مقهى ستاربكس شُيّد محل بيت لأحد الصحابة.

ربما يصحو العالم على تراث ضائع كأن لم يكن بالأمس، فلا وَفَّيناه حق العزاء.

* رابط التقرير (نسخة مترجمة للعربية)
مصادر أخرى: كتاب "من مكة إلى لاس فيغاس.. أطروحات نقدية في العمارة والقداسة".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.