المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمين حمزاوي Headshot

مسيح ريو وشعلة الأولمب

تم النشر: تم التحديث:

- المسيح فاتحاً ذراعيه يستقبلك في محبة وترحاب، حسناوات شاطئ الكوباكابانا يتمايلن على هدير الأمواج، والفتيان ذوات الأجساد البرونزية يرقصون السامبا ويتراقصن بالكرة على الرمال.

أولى الصور التي سرعان ما ستنحتها مخيلتك عن مدينة البحر والسحر والشمس الساطعة، ولاية ريو دي جانيرو البرازيلية، التي إن تابعت -عمداً أو بمحض المصادفة- صورتها المنقولة أثناء استقبالها للحدث الرياضي الأضخم "الأولمبياد الصيفي لعام 2016"، ستجد تلك الصورة النمطية تحتكر الشاشات دائماً.

(المسيح المضحي أو الفادي) وهو لقب التمثال الأشهر للمسيح على قمة جبل كوركوفادو الكائن بالولاية، أعاد الكرة ليبحر شرقاً مطارداً أشباح زوس -معبود اليونان القديمة- وشعلته حتى أولمبيا -مهد الألعاب الأولمبية في العصر القديم- المرجح أن زوس راوغه هذه المرة حين ساقه إلى قمة جبل الأولمب -معقل الآلهة في الأساطير اليونانية القديمة- وأن المسيح "الريو دي جانيرو" قد حل به التعب، وهو الآن يكابد عناء الطريق وإتمام الوصول الذي ما عاد للوجود إلا ليكون في ملاعب الرياضة.

ذلك الذي يجوز إسقاطه على الواقع البرازيلي المعاصر، فبعيداً عن كل التصنيفات الدولية المختصة بالاقتصاد -كواحد من أكبر اقتصادات العالم-، فإن البرازيل منهكة تماماً تحمل أثقالها لإتمام دورة الألعاب الأولمبية وتجر خطاها متأوهة، تماماً كمسيحها المضحي، لأسباب هي: الركود، والبطالة، والفقر، والجريمة.

البلاد مثقلة بالأعباء السياسية والانقسام المجتمعي بين مؤيدي الرئيسة المعزولة عن منصبها ديلما روسيف، والرئيس الحالي ميشيل تامر زعيم الحركة القومية -الحزب الأكبر في البلاد- تلك البرازيل المستنزفة ليست وليدة اليوم، بل وليدة الأزمات المتتالية منذ استضافتها لمونديال 2014، الذي فجَّر حركة احتجاجات واسعة -قبل وأثناء البطولة- ضد ما رآه المحتجون إسرافاً غير معقول؛ حيث بلغ حجم الإنفاق على إنشاء وتطوير الملاعب والمنشآت المرتبطة بها قرابة 13 مليار دولار، في حين تم تجاوز المبلغ وكسر الميزانية المتفق عليها.

كانت رؤية المحتجين هى الآتية: في بلد تفشت فيه -وقتها- البطالة بنسبة 8.2%، يحمل سجلاً مليئاً من التاريخ الإجرامي العصابي المنظم، والعريق الممتد، ووسط نقص في عدد المستشفيات والمدارس والخدمات الحكومية -للمفارقة فإن النقص كان يستعر بالمدن التي استضافت الحدث بشكل رئيسى- كيف تنحي كل تلك المشكلات لتزيح الستار عن منجزات هي -في رأيهم- لن تنفع الشعب بقدر ما يراه الشعب حقاً نافعاً له.

تطفو على السطح من جديد تلك الرؤية الباهتة في خضم الحدث الأولمبي الأضخم من سابقه المونديالي، خصوصاً في ظل حالة الاضطراب السياسي والاقتصادي -السابق ذكرها- ومع تبحر رقعة الرأي العام العالمي في الحديث عن الجانب الأمني الذي لا يبشر بخير؛ حيث تستضيف الحدث بشكل رئيسي، ريو صاحبة "مدن الصفيح"، كما اعتاد البرازيليون مناداة الضواحي الفقيرة من المدينة، حيث اعتاد الناس هناك أزيز الرصاص المنطلق ما بين جبهتين: الشرطة المحلية، وأفراد عصابات المخدرات. حوادث السرقة أيضاً تتم بروتين شبه يومي كما سقوط القتلى تماماً؛ حيث بلغ عددهم من بداية العام حتى الآن ما يزيد على الألف قتيل بين مدني وشرطي.

تدعم تلك الرؤية، رؤية حكومة الولاية التى لمحت في الأفق شبح "أزمة اقتصادية خطيرة"، كما وصفها بيانها الرسمي على لسان حاكمها الذي لوح بكارثة مالية عامة "تؤدي إلى انهيار شامل في خدمات الأمن، والتعليم، والصحة"؛ حيث تعاني ميزانية الولاية من العجز المقدر بـ5.5 مليار دولار، والحديث -ولا حرج- عن الموظفين المحليين، وأصحاب المعاشات، ورجال الشرطة، الذين تأخرت عنهم مستحقاتهم في ذروة التحضير للحدث الرياضي الكبير والدعاية له.

ما يطرح عدة أسئلة أبرزها:

كيف تؤتمن وبشكل عام الدولة البرازيلية المضطربة -بشكل غير مسبوق- وولاية ريو دي جانيرو -بشكل خاص- على الفرق والبعثات المشاركة بالمنافسات، وقرابة النصف مليون زائر مترقب حضورهم للفعاليات؟

ما جدوى الرياضة ومنافساتها المحترفة الجديرة بالاستمتاع والإعجاب، إن هى دست روح الانحياز للربح المادي -بعيداً عن مصالح المواطنين- خلف قناع المتعة والاحتراف؟

* ملحوظة: تمت الاستعانة بمواقع ذات سمعة موثوقة: "دويتشه فيله عربي" و"بي بي سي عربي، فيما يخص التصريحات والإحصاءات.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.