المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمين حمزاوي Headshot

كيف أدار صبية شيكاغو عجلة الجنرال إلى الوراء؟

تم النشر: تم التحديث:

"في المدى الطويل: كلنا سنكون في عداد الأموات" جورج كينز.
فى نحو الساعة الرابعة من مساء الحادي عشر من سبتمبر/أيلول من عام 1973، سقط قصر لامونيدا تحت وابل القصف المدفعي الذي شنَّه جيش الجنرال بينوشيه للانقلاب على الحكومة التشيلية المنتخبة ديمقراطياً، برئاسة سلفادور أليندي، الذي سقط بدوره تحت وابل من رصاص العسكريين التشييليين، الذي أخفى معالم وجهه تقريباً.

فكانت ولادة واحدة من أبشع التجارب في التاريخ الحديث، التأسيس لديكتاتورية عسكرية شمولية، حكمت تشيلي لـ15 سنة، ممارسة أبشع أنواع القتل والإفقار والتنكيل بالمعارضين، مهرج مخبول خولته السياسة الاقتصادية العالمية -النيوليبرالية- لشغل الكرسي، وتحويل بلد كامل إلى جنة حفنة ضئيلة من المستفيدين الأثرياء، ومقبرة جماعية لسواد الشعب الأعظم الذي مورست ضده أقسى أنواع الإرهاب والتغييب والتضليل.

لاحقاً وبعد سنوات قليلة، بالتحديد في 18 و19 يناير/كانون الثاني من عام 1977، خرجت الجماهير المصرية منتفضة ضد قرارات الرئيس السادات برفع الدعم عن السلع الرئيسية، وهى قرارات تم التراجع عنها قرابة العقدين من الزمن تقريباً.

السبعينات من القرن الماضي كانت شاهداً على بزوغ فجر أيديولوجيا -مرجعية- اقتصادية عنوانها "النيوليبرالية"، كعبتها السوق الحرة، وأنبياؤها -مَن حازوا بالفعل القدر الأكبر من التأثير- مجموعة من الاقتصاديين الليبراليين الذين أطلق عليهم "فتيان شيكاغو"؛ نظراً لوجود معظم رواد المدرسة الأوائل كأساتذة بكلية شيكاغو للاقتصاد، إحدى أهم المدارس الاقتصادية على مستوى العالم.

في البدء كانت النيوليبرالية!

في ثلاثينات القرن الماضي بدأت المحاولات لتأسيس تيار اقتصادي جديد مضاد للتيار الكينزي -نسبة إلى جورج مينارد كينز الذي يرى ضرورة تدخل الدولة لضبط الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل لإنعاش الاقتصاد، وبالتالي المحافظة على نسب متوازنة من الرعاية الاجتماعية، وتحقيق الرفاه عن طريق الصور المختلفة للدعم- أحد أعلام التيار الاقتصادي الألماني فريدريك هايم، أسس فيما بعد بالاشتراك مع الأميركي ميلتون فريدمان -الاقتصادي المتعصب للسوق الحرة- تياراً فكرياً وسياسياً طاف العالم -ناشراً تلاميذه، داعياً الحكومات للتخلي عن المبادئ "الكينزية" لإدارة الاقتصاد.

التخلص من القطاع العام، وترك القطاع الخاص يدير السوق بآليات كانت من وجهة نظرهم هي الأجدى لتحقيق الحرية الاقتصادية، وبالتالي السياسية، تمسك فريدمان دائماً بهذا الربط ما بين الحريتين، كان يرى الاعتداء على أي منهما تعدياً على الأخرى، في حين تبقى للحكومة مهمتان: كحكم كرة القدم، تكفل الحفاظ على قواعد اللعبة وتسوية الخلافات، وتأمين امتثال القلة، التي لا ترغب في المشاركة، للقواعد.

"الرجل الحر مسؤول عن مصيره"*، وهو ما يتعارض مع سلطة الدولة الاقتصادية من وجهة نظر فريدمان.

لكن في ظل حكم شمولي ومع رؤية كتلك تصبح الحرية الاقتصادية قيداً اجتماعياً تكبل به السلطة عنق المواطنين بحجة المسؤولية الأخلاقية والعملية عن فشلهم هم كأفراد، تنتج البروباغندا السلطوية دعاية ترى في المواطن مسؤولاً عن أزماته في ظل زعمها وجود حرية اقتصادية هي في الحقيقة من جانب واحد، وهو الدولة التي تسمح لرعاياها الأثرياء -من العسكريين مثلاً أو رجال الأعمال- بتسهيلات تمثل تدخلاً مباشراً من الدولة، مناقضة بذلك دعواها، ومنتجة الفقر الذي يسود السواد الأعظم من الشعب، الطبقة المتوسطة بشرائحها المختلفة، والطبقات الفقيرة من عمال وفلاحين.

صبية شيكاغو ومأزق الجنرال!

مقدمة طويلة لكنها ضرورية لفهم ما يحدث بمصر، وهو الجديد القديم المجرب عدة مرات بعدة أشكال في دول مختلفة ممتدة على قارات العالم الست، والنتيجة واحدة: فقر، بطالة، وإفلاس على كل الأصعدة.

أحدث الانقلاب العسكري على الديمقراطية الناشئة حديثاً بمصر صدمة مهدت الطريق سريعاً لتلاميذ شيكاغو في كل من البنك وصندوق النقد الدوليين، وفي قطاعات التكنوقراط المصرية المتعاونة مع العسكريين والمؤمنة بسياسات النيوليبرالية.

الصدمة، لعبة قديمة أنتجها الطبيب النفساني أيوين كاميرون بمختبرات الاستخبارات المركزية، تحويل الأدمغة إلى صفحة بيضاء وإعادة ملئها بأساليب ومعتقدات جديدة عن طريق صدمات كهربائية، هنا يأتي فريدمان مؤسساً "عقيدة الصدمة" أو "رأسمالية الكوارث"**، استغلال الكارثة أياً كان نوعها -السياسية في حالة مصر- في تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية مجحفة يرفضها المواطنون في الحالات الطبيعية، شهدت مصر ذلك، الانقلاب على الديمقراطية ثم التلويح بشبح الإرهاب، في البداية مرت الدولة بإجراءات عدة تنتقص من الدعم بكل صورة ممكنة، ولكن دون إلغائه، المساعدات الخليجية أبقت على الوضع مستقراً نسبياً، حجم الإنفاق الحكومي -العشوائي- المتزاوج مع الفساد كان مستتراً مع توافر الدعم الخليجي.

سارت البروباغندا الدولية في العامين الأوليين ما بعد عزل مرسي على عكازين: محاربة الإرهاب، والاحتفاء الشعبي بالاستحقاقات الانتخابية -غير النزيهة في مجملها- اتبع النظام حمية التخلص من المطالب بتحويل المسار الشعبي نحو الإنجازات اللحظية "إنجاز اللقطة"، حفرت قناة السويس الجديدة أو التفريعة -أياً كان- تم الافتتاح وخرج السيد الجنرال ليشعر الملايين بحجم الإنجاز، بالفعل في تلك الفترة تمتع نظامه بشعبية مستقرة نسبياً، ابتلعت أعمال الحفر ملايين الدولارات في حين لم يحقق المشروع جزءاً مما وعد به على لسان قادة النظام، خمدت الاحتفالات أخيراً؛ ليتفاعل الشارع مباشرة مع الواقع الخالي من كرنفالات الرقص وأهازيج الوعود، بدأ الخليج يحجم عن تقديم العون مع الانخفاض العالمي لأسعار النفط.

شراء الاعتراف الدولي كلّف الجنرال مليارات الدولارات، إلى جانب الإنفاق غير المعقول على رواتب فئات معينة -الشرطة والجيش والقضاء- وهروب السياحة نتيجة حادثة الطائرة الروسية، كل ذلك أدى في النهاية إلى عجز مضاعف في الموازنة، إغلاق المصانع -حكومية وغير حكومية- وتسريح العمال وإهمال القطاع الصناعي بأكمله، مع فرض قيود إضافية على الفلاحين وإحباط الزراعة، تكلفة عدم الإنتاج على كلا المستويين هي خسارة صادرات مهمة، وبالتالي خسارة للعملة الصعبة -إلى جانب السياحة بالطبع - تفشي العجز التجاري - بالتالي التضخم- نتيجة للفارق المهول ما بين ميزانَي الصادرات والواردات، فانهار سعر صرف الجنيه شيئاً فشيئاً، مع تسرب الاحتياطي من النقد الأجنبي باطراد نتيجة الإنفاق الحكومي غير المبرر، كلف الجنيه قيمته تماماً أمام الدولار الذي وصل لمستوى تاريخي "18 جنيهاً".

لجأ الجنرال إلى صندوق النقد لاقتراض 12 مليار دولار على 3 سنوات، وافق الصندوق، لكن بشرطين أساسيين هما من تعاليم السيد ميلتون وصبية شيكاغو، تحرير سعر الجنيه (ربطه رسمياً بحركة العرض والطلب في السوق)، ورفع الدعم تماماً، الخطوة الأولى تمت، والثانية في الطريق، الجنرال شخصياً لا يأبه لذلك، من أحلامه القديمة رفع الدعم، لكنه لم يحسب حساب الوقت، ظنه سيكفي لجس النبض، ودراسة الخيارات، لكن لجوءه للصندوق أجبره على التنفيذ دون تمهيد، الجنيه -قبل التعويم- تمتع نسبياً بغطاء البنك المركزي من الاحتياطي النقدي، أما الآن يجب على المستورد -في اقتصاد سمسرة استهلاكي قائم على الواردات- شراء الدولار من البنك بسعر مرتفع عن ذي قبل، كما السوق السوداء أو أقل قليلاً، بالتالي سيرفع المستورد الأسعار -وإن توقف الاستيراد لبعض الوقت- فإن الأسعار ستقفز "من الإبرة للماكينة للصاروخ"، وقد مر الجزء السهل، بانتظار الأصعب وهو الدعم، باختصار فإن عجلة الجنرال تدور إلى الوراء.

***
مصادر:
* كتاب: الحرية والرأسمالية لميلتون فريدمان.

**كتاب: عقيدة الصدمة لناعومي كلاين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.