المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمين حمزاوي Headshot

هلاوس لا أخلاقية عن التحرش "2"

تم النشر: تم التحديث:

المرأة "مكنة" جنسية

آلة خطابية دينية ضخمة واصلت تعزيز المخاوف والخرافات المتعلقة بالطريقة التي ينظر بها كل جنس للآخر، وصولاً إلى حدود من الهستيريا، صار من شبه المستحيل التفكير خارج إطار اعتبار المرأة مجرد آلة جنسية، أو بالتعبير الشعبي الدارج بين أوساط مختلفة من الشباب المصري "مكنة" لإشباع رغبات الرجل، هكذا يراها الرجل "الفاضل" و"الفاسد" على السواء، بينما يظل الفارق في نظرة المجتمع للرجل "الفاضل" باعتباره مالك الآلة الجنسية "اللي دخل البيت من بابه"، وكأن التفكير في المرأة باعتبارها أولاً آلة ثم ثانياً آلة مهمتها إشباع الغريزة الحيوانية لدى الرجل لم يكن جريمة على الإطلاق، فصار اتهامها داخل مجتمع "الحريم" - بالانحلال يسيراً جداً إذا ما خالفت شروط وقواعد "الاستقامة".

الحريم مصطلح دارج بين الشعوب العربية المسلمة، وهو في الأساس مصطلح يختزل علاقة المرأة بالرجل بدورها في تحقيق المتعة، وحبسها داخل مجتمع مثيلاتها الضيق، أجنحة الحريم داخل قصور الخلافة الإسلامية هي التعبير الأمثل عن ثقافة الحريم بأكملها.

التعبير الأبرز عن اعتبار المرأة مجرد "مكنة" أو آلة جنسية كان التحرش؛ لأن العلاقة بين الجنسين لم تعد طبيعية أو شبه طبيعية، وصارت المرأة المصرية الآمنة بفستانها القصير أو الميني جوب أسطورة وتاريخاً.

على مدى عقود نُهبت مصر وتم إفشال اقتصادها بكل وسيلة ممكنة، وتفشى الفقر المادي الذي انخفضت معه بدورها إمكانية الزواج، بالإضافة إلى تضييق الأجهزة الأمنية والتشريعية الخناق على الحريات الجنسية للمواطنين -والتي تكون بالتراضي بين الطرفين - وهو ما ساهم بصورة ملحوظة في انتشار التحرش، لكن العجيب أن التحرش لم ينتشر بين أبناء "الحثالة" الفقيرة على أطراف المدن فحسب -وقائع هؤلاء تحظى بمتابعة إعلامية ضخمة بالمقارنة مع وقائع أخرى لأناس على درجات متفاوتة من السلم الطبقي- انتشر التحرش أيضاً بين أبناء الطبقة الوسطى التي تمتعت في بعض المراحل بمستويات مادية ممتازة ومستقرة لم تمنعها في ذات الوقت من مواصلة تخريب العلاقة بين الرجل والمرأة واستدعاء كل ما هو رجعي من رحم الثقافة، ساهمت في ذلك بالطبع "الثقافة "ذاتها.

ولعقود أيضاً تصدرت السوق الكتب والشرائط التي تُحرض على كراهية المرأة باعتبارها كائناً ناقصاً العقل وآلة لإشباع الغرائز شفهياً أو ضمنياً، ولعقود ساهمت شاشة السينما في تأكيد التحول، بعض كبار النجوم واصلوا لعقود التحرش -اللفظي والجنسي- بالمرأة في أفلامهم داخل إطار الكوميديا أو الدراما.

وهذا الحديث بعيد تماماً عن الخطاب الوعظي الرث عن السينما النظيفة التي يروج لها نفس دعاة كراهية وتشييء -من تشيّؤ- وتسليع المرأة.

المفارقة أن من يتحسرون اليوم على عهد حرية الميني جوب كانوا مساهمين بشكل أو بآخر في سحقه، سماسرة البرجوازية الناشئة مع الانفتاح؛ برجوازية الاستيراد والتصدير الطفيلية التي لم تكتفِ بتخريب القواعد المادية للاقتصاد المصري بتحطيم الصناعة الوطنية تماماً وإفنائها تقريباً وتحطيم التعليم والصحة -نفس الطبقة اليوم هي من تطالب بدعم المنتج المصري التي حاربته بالأمس! - لكنها واصلت العبث داخل المجتمع بمواصلة تصدير رجعيتها، وتدينها المزيف ومواصلة تسليع العلاقة بين الرجل والمرأة وإن كان ذلك داخل إطار اجتماعي يبدو زيفاً وكأنه أرقى، لكن الوضع هنا كان مضاعفاً، كانت المرأة باعتبارها آلة.. باهظة الثمن جداً.

بينت دراسة حديثة أن من بين أبرز أسباب التحرش بالنساء في الشرق الأوسط وفي 4 دول عربية تحديداً أجريت فيها عمليات الاستطلاع والمسح هي (مصر، المغرب، لبنان، وفلسطين) ارتفاع معدلات البطالة، وعدم قدرة البعض على تلبية الاحتياجات الأساسية لمنازلهم ليصبح الطقس التعويضي عن ذلك هو التحرش بنساء أخريات في الشارع كمحاولة لإثبات السلطة الذكورية الغائبة في المنزل
نتيجة مُشجِعة لليساريين، مُحرِجة لليبراليين، وصادمة ومُنكَرة عند الإسلاميين.
لكنها في كل الأحوال لا تمت بصلة لنوع وشكل الملابس التي ترتديها النساء.

القانون ضد الطهارة
لأجل تحديد ماهية الدولة تحتاج إلى سؤال أساسي: على أى أساس تُعامل المواطنين؟ التصنيف من الفروق الأساسية بين الدولة العلمانية والدولة الدينية المحافظة التي تحظى نماذجها على مستوى المنطقة بمعدلات تحرش مرعبة

العلمانية لا تُصنف المواطنين إلا لكونهم "مواطنين" بغض النظر عن انتماءاتهم العقائدية والفكرية؛ لأن هنالك قانوناً يحفظ للجميع حرياتهم على كافة المستويات، والمواطنون يصنفون الدولة كراعٍ للقانون الذي يحافظ على مواطنتهم، أما تحت الحكم الديني تلجأ الدولة دائماً إلى تصنيف المواطنين؛ في الغالب تقسيمهم إلى جزأين، مواطن صالح "طاهر" ومواطن فاسد "عاصٍ"، وبالتالي يتحول القانون إلى أداة للتفتيش عن ضمائر الناس وعما يؤمنون به ويعتقدون فيه، ويفقد وظيفته كأداة محايدة وظيفتها الحفاظ على استقرار المجتمع في ظل احترام حريات أفراد هذا المجتمع.

المشكلة في أنظمة الحكم الدينية تلك هي أن يتحول الحكم على أية قضية فوراً إلى حكم لاهوتي بالصلاح أو الفساد، يتحول القانون إلى أداة وعظ مستبدة بالية بدلاً من كونه أداة للحكم وتنظيم العلاقات بين الناس وحسم الأمور العالقة، وتتحول قضية خطيرة تهدد مجتمعاً بأكمله مثل التحرش إلى قضية وعظية يتأجل حسمها دائماً.

يتصدر المشهد أرباب المشكلة، الوُعاظ المتدينون، والوعاظ أصحاب الأخلاق الرفيعة، يتكلمون نفس اللغة التي صنعت الأزمة منذ البداية، يَتحسّرون الآن على" ضياع الأخلاق واستشراء الفساد"، الفساد مرادف الاستبداد ونقيض الحرية، لكن الحرية لم تكن لتصنع من العلاقة بين الجنسين هاجساً وشبحاً وشيطاناً يهدد وجود المجتمع بأكمله.

المتوجسون دائماً من مشهد رجل يكلم امرأة، قادونا إلى مشاهد صارت معتادة ينتهك فيها الرجال أجساد المرأة، هؤلاء لم يدركوا أن للبشر عقولاً قادرة على السيطرة على أفكارها التي تبلورها بيئة مادية اجتماعية متزنة، ومناخ سياسي وثقافي يتمتع بالحرية؛ لأن الإنسان في النهاية ليس مجرد آلة لإشباع الغرائز.

فى النهاية يمكن النظر لظاهرة التحرش باعتبارها أحد الآثار الجانبية -القاتلة- المصاحبة لفشل المشروع التنويري المصري -بتداخلاته، وتفرعاته، وتاريخه الطويل- في إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع يحدث بدوره تغييراً مماثلاً داخل شبكة العلاقات الإنسانية والإثنية بداخله، كما تؤكد تلك النظرة على بشاعة التخريب الممنهج -التاريخي- لبنية البلاد الاقتصادية والاجتماعية على أيدي طبقات أسست ودعمت حكومات سلطوية كانت على جداول أولوياتها دائماً مهمة واحدة: إفقار الشعب المصري وتحويله إلى كيان عامل مجرد من كافة حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، معزول عن الثقافة والتنوير وعن تطور المجتمعات المدنية الحديثة، مهمة تحويط العقل المصري بالسلطوية والأبوية الذكورية والفكر الرجعي الخرافي.

1- A new study may explain why men harass women on the street
2- Saudi women turn to social media to combat harassment
3- الجارديان: كيف ساهم الحجاب الإجباري في زيادة التحرُّش الجنسي في إيران؟

4- 99.3% of Egyptian women experienced sexual harassment

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.