المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمجد خليل  Headshot

ذكرى رابعة: مذبحة واحدة وثلاث عيون "2"

تم النشر: تم التحديث:

أما العين الثانية في رؤية المذبحة، فهي عين ثائر عاصر مشاهد الثورة مشهداً مشهداً، اشتد حماسه مع انتصاراتها.. وانكسر وانهزم مع إخفاقاتها وأفول نجمها، تأخر في إدراكه أن ثورته وُئدت يوم مولدها، يوم جمعة الغضب في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، يوم أن فرح الثائرون، أو من ظنوا أنفسهم كذلك، بنزول الجيش مساء ذلك اليوم، وبمشهد الدبابات وهي تجوب الشوارع لتحمي المباني والمؤسسات الحكومية بعد انسحاب قوات الشرطة؛ ليكتب نزولها كلمة النهاية لقصة قصيرة عنوانها "ثورة لم تكتمل"، ذلك أن جيشاً كان يدين بالولاء لمبارك، وصنَعَه هو على عينه، لا يمكن له أن يكون جزءاً من الثورة عليه، وأنه ما نزل إلى الشارع إلا ليحمي مصالحه، وقد كان.

فرح ذلك الثائر بظهور الإخوان في صدارة المشهد السياسي، إذ رأى في ذلك الظهور إيذاناً ببدء عهد جديد يُنصَفُ فيه من ظلموا في العهد السابق، وتتنقل فيه السلطة من القصور إلى الشوارع، فيصبح الحكم بيد الشعب فعلاً لا قولاً، وشعر بنشوة النصر يوم إعلان فوز مرسي: فذاك نصرٌ صنعته أيدينا، واكتمل شعوره بالنصر يوم ألقى طنطاوي وعنان التحية العسكرية لمرسي، بما كان يعنيه من أفول شمس العسكر واعتلاء المدنيين سُدة الحكم.

ولكن على قدر فرحته كان قلقه من تصدر الإخوان المشهد وتحملهم المسؤولية، توجس عقل الثائر مبكراً من منهج الإخوان، ولم يصدق مرسي حين تعهد بعد توليه السلطة بالقصاص للشهداء جميعاً، فقد كان على يقين أن مرسي لن يقدر على محاسبة المجلس العسكري على المجازر التي ارتكبت في عهده: في العباسية (1) و(2)، وفي ماسبيرو، وفي محمد محمود، وفي استاد بورسعيد. ثم رأى الارتباك واضحاً في أداء الإخوان في الحكم، وصولاً إلى مأساة الاتحادية، ثم مذبحة سجن بورسعيد، وصولاً إلى الأيام الأخيرة لمرسي في الحكم حين أدرك الجميع أن السفينة على وشك الغرق إلا الإخوان الذين كانت المصائب تتوالى عليهم، والخرق يتسع على الراتق، وهم مطمئنون بلسان حال واثق يقول: "اللي فوق عارفين وفاهمين".

كان يرى البون يتسع كل يوم بين حلم ثوري رائع وبين جماعة تصدت للمشهد، وهي في جوهرها وتنظيمها ودعوتها وعقيدتها بعيدة عن روح الثورة، كان يدرك أنها تُساق إلى حتفها، وترتكب في حق نفسها ومجتمعها ووطنها، وفي حق الثورة أفدح الأخطاء، وأنها ستكون أول من يدفع ثمن هذا الأخطاء، كانت روحه ممزقة بين خوفٍ على رفقاء إخوان سمحي الوجوه، ليني الطباع، جميلي المعشر، وبين رفضٍ لممارسات تنظيم متكلس عفا عليه الزمن، وأقعدته الشيخوخة عن رؤية خطر داهم، كانت عين الثائر ترى رابعة محصلة ذلك كله، ونتاج ذلك كله، كان على يقين أن الفض آتٍ لا محالة، وأن شهوة العسكر للدم لن يوقفها أحدٌ، ولن يردعها رادعٌ، قرأ إشارات واضحة حملتها مذابح الحرس الجمهوري الأولى، فالثانية، فالمنصة، فالمنيل، فميدان النهضة.. إلخ، وأدرك معها أن شيطان القتل قد أطلق من عقاله، وأرعبه هاجس أن الإخوان لم يقرأوا الرسائل التي حملتها هذه المذابح، أو أنها وصلتهم، ولكن روح المزايدة كانت قد غلبت، ولم يعد ثمة سبيل للتراجع.

تابعت عين الثائر بكل أسفٍ وحزنٍ وضيقٍ خطاباً إعلامياً أخرق وأهوج تصدره الإخوان، أو حُسِبَ عليهم، فكان ضرره أكثر من نفعه، ورأى عاصم عبدالماجد يعتلي منصة رابعة؛ ليعلن أن حملة تجرد المؤيدة لمرسي قد جمعت ملايين التوقيعات المؤيدة له، بعد أن كان السيف قد سبق العزل، ولم يعُد في القوس منزع، ضاق عقل الثائر ذرعاً بأكاذيب منصة رابعة وتخاريف أغلب مَن اعتلوها، فلم يعد يطيق الاستماع إليها، وبقدر حبه لرابعة ولأغلب مَن فيها، بقدر بغضه لخطابها الإعلامي الأخرق المضلل، كان يدرك أن روح الاستعداد للشهادة التي تصرخ بها حناجر المعتصمين في رابعة تؤجج على الجانب الآخر شهوة القتل لدى العسكر، وكأنهم يقولون لهم: أنتم طلبتم الشهادة، فلماذا تلومون علينا استجابتنا لطلبكم؟ وتأكد لديه أن سيف القتل آتٍ لا محالة.
***
أما العين الثالثة، فهي عين الإنسان الذي يؤرقه ضميره.. إنسان تحجر الدمع في مآقيه لا على من ماتوا في رابعة فحسب، ولكن على من ماتت ضمائرهم بعدها، على أناس عاشرهم عقوداً، واحترمهم آجالاً، فإذا بهم يكشفون عن نفوس خبيثة وأرواح عفنة لا تبالي بدماء الأبرياء، وتحركهم شهوة القتل والانتقام، لقد كانت رابعة مذبحة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، وما تثيره في النفس من دلالات ومشاعر وأحزان، وكانت كذلك حداً فاصلاً بين ما قبلها وما بعدها، إن الإنسان حين يتذكر "رابعة" تخنقه العَبَرات، وتقف في حلقه الكلمات وهو يستدعي مشاهدها.. تلك المشاهد التي لا تنمحي، ولا يزول أثرها من الذاكرة بمرور الوقت، أو مهما طال الزمن، فقد تركت مشاهد القتل والقنص والحرق، وتلك الدماء التي سالت أنهاراً ندوباً غائرة في ضمير كل إنسان حي، وجروحاً عميقة في روح كل مَن يتوق نحو الحرية والانعتاق من الظلم ومن حكم العسكر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.