المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عامر الكبيسي Headshot

العراق سيرة ذاتية لجيوش الحرب والسلام

تم النشر: تم التحديث:

جغرافيا العراق متحركة، لم يسبق أن تحركت في أي مرة سابقة بهذه السرعة خلال عام مضى، تسيطر الحكومة العراقية وما يتبعها من قوات عملياً على نصف هذه الجغرافيا، بينما تتقاسم النصف الآخر قوتان، هما الكرد وتنظيم الدولة، ولعل هذه الجغرافيا ستحدد مسار مستقبل العراق، ولاشك فإن كل جهة تحاول الاستيلاء على المزيد من الجغرافيا لصالحها.

ينسق الكُرد في شمال العراق مع العالم لا سيما أمريكا وفرنسا، للحصول على مزيد من السلاح والشرعية للمستقبل، فأحلام الدولة الكردية لا يخفيها ساسة الكرد، تقول مصادر كردية أمنية إن أكثر من 50 مليون إطلاقة بالإضافة إلى نحو 18 ألف قطعة سلاح متوسط وخفيف سلمت للقوات الكردية خلال عام، من أجل مساعدة قوات البيشمركة على التصدي لتنظيم الدولة، لكن هذا التسليح هو نوع آخر من أنواع منح شرعية متقدمة للدولة المقبلة، لأنها تمنح في كثير من الأحيان من غير المرور بموافقات حكومية في بغداد، وثمة قفزة أخرى نحو مشروع الدولة الكردية في شمال العراق اتخذتها حكومة الإقليم بتصديرها للنفط بشكل مستقل من غير المرور بالحكومة، آخذة الضوء الأخضر من جارة الإقليم وهي تركيا.

تشعر قوات البيشمركة بالامتنان لسلاح الجو الأمريكي والفرنسي بعد لحظة سقوط الموصل ووصول تنظيم الدولة إلى مسافة 20 كلم فقط من مدينة أربيل عاصمة الإقليم، قبل أن تمنعه الطائرات، وتعيده للخلف، ما جعل القوة الكردية تسيطر حاليا على مساحة 30% من الأرض التي لم تكن تحت سيطرتهم قبل عام 2003 وهو عام احتلال العراق، وعلى رأسها مدينة كركوك، إحدى أهم مدن العراق الغنية بالنفط.

قريباً من الكرد، وعلى امتداد نحو 1000 كلم وهي الحدود الأرضية بين مناطق إقليم كردستان العراق ومناطق العرب التي تسيطر على معظمها حالياً قوات تنظيم الدولة، تنفتح اشتباكات من جهات عدة، لا سيما من جهة الموصل بناحية سنجار وسهل نينوى، ومن جهة كركوك والمناطق القريبة من الحويجة، بينما تخف من جهة السليمانية المتاخمة لمحافظة ديالى المهمة أمنياً، هذا المدى الواسع يحدد خريطة المستقبل لكل كيان، فالكرد يظهرون للعالم أنهم في حالة حرب حقيقية، وربما لو كان هذا التنظيم قابلاً للتداول السياسي لما تردد الكرد في التفاوض معه، لكن توقعات المستقبل تشير إلى أن المساجلات والمعارك مستمرة، وطيران التحالف له أثر واضح في تحديد مسارات المعركة، وفقا للطلعات الجوية، والرصد الكردي.

لتنظيم الدولة جيوب تعمل على الأرض، وتشير المعلومات إن قوات النخبة تضاعفت أربعة مرات خلال عام، فبعد أن كانت بحدود 3 آلاف، أصبحت قوات النخب لدى التنظيم بحدود 16 ألفا، ليس خافياً كذلك أن التنظيم فقد قيادات مهمة له بسبب ضربات التحالف ما أدى لفقدان الخبرة الميدانية وحالة التراكم العسكري التي ورثها من قادة سابقين في الجيش العراقي السابق انضموا إلى صفوفه.
قوة سلاح التنظيم أتت بعد الموصل مباشرة، إذ سيطر على أسلحة تقدر قيمتها بحدود 2 مليار دولار، أو ما يعادل تسليح فرقتين عسكريتين، وقد حصل على 2323 آلية هامفي بعد سقوط الموصل وتكريت قبل أكثر من عام، ويستخدمها حالياً كسلاح فعال في العمليات الانتحارية.
لقد أصبحت عربات الهامفي المدرعة، بمثابة الجيل الثاني للمفخخات ذات الجدوى العالية، فمنظومة العمليات الانتحارية الذكية بدأت تتوسع من ناحية العدد والشكل، فقبل العمليات هناك رصد جوي لطيران مسير يتبع لتنظيم الدولة، مع تدريع مُموه للآلية المدرعة يجعل عملية استهدافها في غاية الصعوبة.
يُغَذى تنظيم الدولة ماليا من تصدير ما يقرب من 200 ألف برميل نفطي من سوريا والعراق، تتجه تلك الحمولات إلى سوق لمافيا النفط ينشط في إيران وتركيا، وفي المعركة الأخيرة الكبيرة التي حصلت في الرمادي قبل أشهر، تمكن التنظيم من تعويض هزيمته في تكريت والدور، وحصل على سلاح مضاعف، لا سيما سلاح الفرقة الذهبية الذي ترك في منطقة الملعب بالرمادي بعد حصارها، والانسحاب المفاجئ للقوات الأمنية العراقية والذي لم تعرف أسبابه حتى الآن.

حدود تنظيم الدولة وقفت منذ مدة عند خط نهر دجلة من الجهة الغربية فوق مدينة سامراء، ولم ينتقل التنظيم للجهة الشرقية لنهر دجلة، ثم بعدها خسر التنظيم منطقة تكريت والدور بمحافظة صلاح الدين وبقي في خط مدينة بيجي المهمة، والتي فيها أهم مصفاة للنفط في العراق، وقد أصبحت هذه المصفاة خارج الخدمة فعليا بعد معارك ضارية امتدت لأشهر من أجل السيطرة عليها من طرف الحكومة والتنظيم دون جدوى.

ومن جهة تكريت نزولاً إلى سامراء حتى العاصمة بغداد وكل جنوب العراق ممتداً إلى البصرة، تفرض القوات الحكومية سيطرتها على المناطق، مع وجود قلق في مناطق شمال العاصمة ، إذ تصير القوات على خط المرور العام، وتضعف قوتها في القرى من حولها، منذ بغداد وحتى الوصول إلى مدينة سامراء.

للحكومة العراقية جيوشها الخاصة، منها الرسمية كالجيش العراقي وقوات سوات والشرطة الاتحادية وقات مكافحة الإرهاب، ومنها قوات وليدة كانت تتحرك بصفتها كمليشيات، وأصبحت مندمجة ضمن ما أطلق عليه بعد معركة الموصل وسقوطها "الحشد الشعبي" إذ تشكلت هذه القوة سريعاً بعد فتوى نادرة وتاريخية من مرجعية النجفي سميت بفتاوى "الجهاد الكفائي" بمعنى أن من الواجب على كل من ينتسب لهذه المرجعية أن يتطوع للقتال حتى يكون العدد كافياً، وإذا لم يذهب فإنه يرتكب حراماً شرعياً في نظر المرجعية الشيعية.

وبمرور الأيام صار الحشد الشعبي أهم قوة مقاتلة لدى الحكومة، بعد أن ضعفت الفرقة الذهبية، وقوات التدخل السريع، وقوات الجيش، وتمكن الحشد من أخذ سلاح الجيش العراقي، وشكلت له هيئة خاصة من قادة المليشيات في السابق وعلى رأسهم زعيم قوات بدر- التي تحولت إلى منظمة بدر، ثم عادت لطبيعتها العسكرية مؤخراً-، وهو هادي العامري، ومعه أبو مهني المهندس، أحد قادة المليشيات، وكان له سوابق لعمل مسلح في بعض الدول، ولا يخفي العامري والمهندس العلاقة مع إيران، وأنها مركز الدعم الأكبر لهما.

وبمرور الأيام يطور الحشد الشعبي من أدواته القتالية والسياسية والإعلامية، ويرى البعض أنه قد يلعب مستقبلاً دوراً شبيهاً بدور "الحرس الثوري" في إيران، لا سيما وأنه لا يخفي تدريبه وتسليحه الإيراني، بينما يدعم بغطاء جوي أمريكي في معظم العمليات العسكرية التي خاضها، ولا سيما معارك الأنبار الحالية في الفلوجة والرمادي، ومعركة تكريت والدورة، بالإضافة إلى معارك الكرمة وقرب سامراء.

مستقبل العراق مع تشكل هذه الجيوش، ينذر بمزيد من الاستنزاف لكل الأطراف، وبالمحصلة للعراق نفسه وثروته وتنميته وشعبه، ويبقى الطرف الغائب في معادلة الجيوش والإعداد هو الطرف السني، الذي سيطر تنظيم الدولة على معظم أراضيه، في غياب لافت لفصائل المقاومة العراقية التي خاضت حروباً كبيرة مع أمريكا عندما كانت تحتل العراق، ويبدو أن تلك الفصائل لم ترد إعادة سيناريوهات سابقة، لها علاقة بمعارك بينة مع فصائل عراقية، ومعارك أخرى مع تنظيم الدولة، في إعادة سيناريو التجربة السورية وفصائلها.

وتمكن التنظيم من خلال عملياته من قطع الطريق على القوات العسكرية السابقة لفصائل المقاومة العراقية وفصائل الصحوات، وقوات العشائر، كما أن أمريكا لم تكن جادة في تشكيل قوة سنية، إذ ما تزال عملية التدريب الأمريكي واستلام المتطوعين هزيلة بالمقارنة مع دعم أمريكا للحكومة والقوات الكردية، فمن بين 11 ألف متطوع من السنة، دربت أمريكا نحو ألفين فقط، وقد نجح في الاختبار الأمني الأول للمتدربين أقل من ألف شخص، وربما يصل العدد إلى أقل من خمسمائة في الاختبار الأمني الثاني.