المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عامر الكبيسي Headshot

رحلة تليفزيونية في 12 كلمة!

تم النشر: تم التحديث:

"وَالعَادياتِ ضَبحاً"

تعدو الخيل، بمعنى أنها تركض، وتركض وتركض.. إنها تمضي مسرعة متجهة للمعركة، ولنقرب هذا الخيال، فهذا يعني إعلامياً أننا أمام صورة واسعة بحجم مساحة المكان كلّه "زوم أوت".

ثم أنت كمصور، تتابع الآن "عَدْوها" ركضَها، وعليه لا بدّ أن تكون في قمة الاحترافية حتى تتابع ذلك بعين الكاميرا الضيقة!! لأن تصوير المتحرك "الخيل وهي تركض" هو أصعب أنواع التصوير، والكاميرا أخت الخيال.

الكلمة الثانية مباشرةً وهي "ضبحاً"، ومن كلمة "ضبحاً" سيأتي دور البعد الثاني في العمل الإعلامي، وهو الصوت، نعم الصوت.. ثاني أهم شيء بالإعلام.

وللتقريب أقول إن كل من يأتي لإجراء مقابلة أو لقطة ما فإنه يضع كاميرته، ثم يضبط الصوتيات، والصوت يأتي بالمقام الثاني في النص مباشرة "ضبحاً"، والضّبحُ هو ذاك الصوت المعروف الذي يُسمعُ من الخيل، لا يخرج مثل البشر، كصوت الكلام، ولا كصوت "الصهيل"، بل إنّ الضّبح يخرج من مكان عميق في الفرس ساعة يركض بسرعة.

الكلمتان اختبار للخيال كله، عيناً وأذناً، ولقدرات المصوّر في أنه يتابع صورةً، وحركة، وصوتاً.

وحتى يمكن مقارنة وتطابق الصوت بصورته، فيعرف كل مصوّر ذكي أنّه ينبغي عليه أن يترك اللقطة الواسعة في التصوير؛ ليذهب فوراً إلى مصدر الصوت منها، مثل حوار صحفي بلقطة بعيدة، وحين يتحدث الشخص يظهرون وجهه، هنا يتطابق الصوت مع مصدره في الصورة.

ستكون اللقطة الثانية من الخيال، أو من الكاميرا بعد اللقطة الكبيرة، هي صورة متحركة ومتوسطة، لمنطقة "صدر الفرس" نفسه الذي "يضبح" وهو يركض؛ لأن الصدر هو مصدر الصوت مقترناً مع الوجه كله.. لتصعد الكاميرا من منطقة "الصدر ثم العنق وأعلى العنق ثم الوجه"، وكلها بدقة من غير "أوت فوكس".

يريد المصوّر أن يقول لمن يراه: من أين يأتي هذا الصوت، وعليه فإن كلمتين فقط في بداية سورة العاديات "والعاديات ضبحاً" أعطت لوحة تامة، لوحة تليفزيونية مكتملة الأركان، ومن خلالها يمكن أن تكون "وحدة قياس" لكل مصور جيد، فإنه إن تمكَّن من نقل هذا المشهد، فإنه بلا أدنى شك، مصور مُجيدٌ صورةً وصوتاً وإضاءةً، وهي الأدوات الأولى للاحتراف، الذي سيتكون بعدها في الكلمات التالية من السورة.

"فَالمُورِيَاتِ قدحاً"

كلمتان جديدتان في سياق السورة ذاتها، تتمّان المعنى، وتعطيان لنا "المؤثرات" المباشرة على الصورة، والموريات في الآية هي: الخيل نفسها، لكننا هذه المرة مع جزء فقط من الخيل، منطقة جوهريّة صغيرة جداً، وهي أسفل الخيل الراكضة، حينما تصطدم "الحدوة" بالحجارة أثناء الركض فينقدح الشرار في العيون، وهنا المعنى: خيلٌ تقدح النَّار باحتكاك حوافرها بالحجارة أثناء القتال.. "فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً".

في علم الإعلام والتصوير خاصة أدخلنا البعد الرابع، وهو المؤثرات بكل أنواعها، وأهم المؤثرات تلك المرتبطة بالإضاءة الفجائية "فلاش"، ولا يمكن أن تظهر هذه الشرارة أثناء التصوير إلا بلقطات كثيرة يظل المصور يعيدها، حتى تستوي عنده من زوايا مختلفة، في وقت يضعف فيه الضوء العام؛ لأن ضوء الشمس يمنع ظهور هذا الشرر، حتى لو حصل فعلاً، ولكنه يظهر بقوة في الظلام، أو في وقت ما قبل شروق الشمس، وعليه فإننا أمام لوحة جمالية أخرى، يشترك فيها الركض وهو "العَدْو" والضّبح "أي الصوت" والمؤثر وهو "الإضاءة التأثرية" المرتبطة بـ"القدح" كأنك تقدح النار أو تحاول إشعال عود الثقاب، فيتشكّل عندك قدح، والآية تتحدث هنا عن قدح جمالي بين "حوافر الخيل" وبين "الحجارة" تحت وقع الركض.

"فُالمُغِيراتِ صُبْحاً"

تذكر أن الكلمة التي سبقت هذا الجو الصباحي مع ركض الخيل، هي كلمة شبيهة جداً، تجعل الانتقال الزمني سلساً للغاية، كلمة "قدحاً" وهو نار خفيفة تنقدح، وهي من جنس الصباح، فهنا أعطتنا هذه الإشارة تصوراً منطقياً لانتقال الزمن، من أنه بعد الفجر؛ لأن "القدح" ظهر عندنا إلى بداية طلوع الصباح، وما قالت الآية "فالمغيرات صبحاً".

والإغارة تقدم سريع نحو العدو، فإن كانت الأولى عدْواً، بمعنى الركض للذهاب إلى شيء ما أو إلى سبيلٍ ما، فإنها هنا قد بدت أوضح في التصوير، ويمكن أن نقول إنها المرحلة ما قبل الأخيرة من الاشتباك، وهي الإغارة السريعة للوصول للهدف، وكان ذلك في وقت "الصبح"، ويبدو أن الصورة تتحدث عن بداية الصبح "والصبح إذا تنفس" أن الغارة الموصوفة كانت مع بداية الصبح، وهي كذلك تحتاج إلى تغيير عدسات المصورين لانتقال الزمن، وتغيير "تضبيط البرمجة اللونية" حتى يتمكن المصور من ضبط إيقاع التقدم السريع، بالانتقال من "المؤثر" الفلاش وهو القدح، إلى مشهد كامل للصباح، فالخيل تبدو فيه أسرع، رقابها قد امتدت للأمام، وضبحها يرتفع أكثر، وإذ هي تتقدّم أسرع وأسرع، لا بد الآن وأنه سيحصل فيها أمرٌ جديد، يضيف للمشهد إثارة وانبهاراً وتشويقاً عجيباً، تسطره الآية الجديدة.

"فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً"

وهي من عنوانها تبدأ بالإثارة، لكنها ليست إثارة مشهدية، بقدر ما أنها إثارة للتراب الذي صار تحت الخيل، فهي حين تغير بالسرعة هذه، سيكون من تحت أرجلها التراب، ولو أن عددها بالعشرات، وربما بالمئات، فإن هذا التراب سيرتفع مع ركضها؛ لنرى الصورة من زاوية أخرى أنه لا يوجد إلا "طيف من الخيل" عليها سحابة من تراب، وهنا أعطانا المشهد بُعداً مثيراً في أن الخيل التي قاربت على الاشتباك لم تعد مرئية، بل غطاها التراب، وحماها من أشياء كثيرة، هي لا شك تذكر بحديث آخر للنبي -عليه الصلاة والسلام- يصف هذا المشهد بأنه يمدح المجاهد الذي يشم هذا الغبار تحديداً، ذاك الغبار القادم المستثار من تحت خُطى الخيل في يوم جهاد، وتذكر بقول رائع للعالم المجاهد عبد الله بن المبارك -رحمه الله- فيما ينسب إليه:
لا يستوي وغبار خيل الله في ** جوف امرئ ودخان نار تلهب

هذه صورة أخرى لهذا المشهد الرائع، أن هذا "النقع" وهو الغبار المتصاعد، يجعل من المتابع في غاية الشوق لاكتشاف ما سيجري بعدها، هل ستتوقف هذه الخيل، هل ستعود، هل ستأتي من الجنب؟ بسرعة أتت الآية الأخرى لتحدد هذا المسار الجديد.. بعد مشهد الغبار المتصاعد الذي لم نعد من خلاله نفهم ما يدور.

"فَوَسَطْنَ بِهِ جِمْعاً"

سأترك هذه الكلمة التي ينتهي بها المشهد لخيالكم.. وربما أكتب فيها رأياً في التعليقات، على أن ما كتبته أعلاه ليس تفسيراً أبداً، ولا ينبغي له أن يكون، وإنما محاولات للفهم، برؤية فيها نمط إعلامي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.