المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عامر الكبيسي Headshot

رئيس الموصل الجديد

تم النشر: تم التحديث:

قبل أن يضع الناخب الأميركي ورقته في الصندوق بأسابيع، قفزت الموصل إلى الواجهة من جديد، كان المرشح الرئاسي دونالد ترامب بارعاً في اقتناص اللحظة، فقد سخر من خطة أوباما وهو يقول في آخر مناظرة للرئاسة مخاطباً هيلاري:
- أيتها الوزيرة، منذ ثلاثة أشهر وكلنا نعلم بمعركة الموصل، فلماذا أخّرتموها إلى الآن؟ هل كنتم تنتظرون هروب قادة داعش جميعاً من الموصل؟! واضح أنهم هربوا قبل أن تبدأ المعركة.

- دعوني أجيب ترامب، لعله لم يكن منتبهاً للتوقيت وتأخيره هنا، إن هذا التوقيت تحديداً يا سيد ترامب يدعم السيدة التي تتحدث إليها الآن، وتتهمها بضياع الموصل، نعم: إن موعد الموصل يدعم هيلاري كلينتون، التي ستظهر للرأي العام، وكأنها تواصل رؤية الرئيس أوباما في تلك الحرب، إن هيلاري متفقة مع أوباما في دعم عمل قوات أميركية بالآلاف، إنهم وضعوك يا سيد ترامب، في موقف لا تحسد عليه، في زاوية الموصل، لاسيما وأن أخبارها ستكون في أذن كل أميركي في يوم الانتخابات، سيسمعون اقتحاماً مباشراً، وربما نصراً للعراقيين يختلط بدماء عدد من الجنود الأميركيين، ولا بد من إكمال المهمة.

ثمة رؤساء آخرون، الموصل أكثر التصاقاً بهم، ولكي أكون أوضح: هل تستمعون هذه الأيام إلى خطابات الرئيس التركي أردوغان؟ إنها الموصل، في كل خطاب ومؤتمر ولقاء، صحيح أن الموصل قطعة من العراق، وهذا ما تم التعاقد عليه منذ مائة عام، وتمكّن الحكم الملكي العراقي بعهد الملك فيصل الأول من إبقائها على عراقيتها باتفاق دولي، لكن عبارة الموصل مغرية لكل تركي، ليس بمعنى أن تكون قطعة من تركيا، لكنها مغرية في عمقها وتاريخها وأنها من آخر القطع، التي تم التنازل عنها، في لحظة ضعف تركية.

سيحتاج أردوغان قريباً، لتغييرات مهمة في البنية السياسية، لصلاحيات أوسع، فدولة مثل تركيا، وأمام هذه التحديات المهولة، وانقلاب فاشل خطير، تحتاج لرجل واحد قوي، أو على أقل تقدير تلك نظرة الحزب الحاكم حالياً، تحتاج تركيا إلى حاكم يمضي بها للأمام وبيده الشرعية والصلاحيات، والموصل مِن ذلك "الأمَام" الذي يُراد لأردوغان الدخول إليه، لا يعني اقتطاعها، بل حماية تركيا من شر قادم منها تحديداً، من تسرب مئات من داعش لحدود تركيا بعد المعركة، ومن مليون لاجئ من أهل الموصل، ومن اقتراب لقوات طائفية قريبة من إيران تأخذ شرعيتها من العراق.

الموصل في تركيا ليست بعيدة عن هذا السياق، يمكن سماع صدى خطابات أردوغان، في حناجر كل القوى السياسية في داخل تركيا حتى المعارضة منها، قومية وكردية، ولعلها من الأشياء القليلة التي تحظى بالإجماع الوطني، فالإجماع هناك منعقد على أن تركيا فعلت الشيء الصحيح بدخولها "البسيط جداً" إلى العراق ببضع مئات من الجنود وحفنة مدرعات فقط، ولا يبدو أنها أتت لخوض حرب، بل أتت للتدريب والاستطلاع وأشياء استراتيجية أخرى، وحرصت على أن تكون أقرب للبرزاني والموصل معاً، فمدينة بعشيقة التي يستقر فيها المعسكر التركي الشهير، تأتي ضمن هذا السياق الجغرافي، بين الموصل وأربيل.

لكن لماذا تحسست تركيا حديثاً من خطر الموصل بصورة مفاجئة؟ تعتقد تركيا أنها تمتلك إرثاً تاريخياً في الموصل، ليس على الأرض ولا بين الناس، بل إن تركيا لا تزال تعاني من غصة أخذ الموصل منها حينما ضعفت الدولة العثمانية وتم إصدار القرار الأممي عام 1926 بإبقاء الموصل ضمن مملكة العراق.

غير أن الحسابات الجيوسياسية تختلف بعض الشيء إذا ما ابتعدنا عن التاريخ نسبياً، فتركيا تشعر بأن أمنها القومي الخارجي ومجالها الحيوي يتعرضان للخطر، ويتمثل هذا الخطر بالاقتراب الإيراني غير المباشر عبر أذرعها في العراق من مناطق عدة في أطراف الموصل.

ويمكن أن نلاحظ أن إيران قد تسجل حضورها داخل الموصل في مرحلة ما بعد تحريرها، إذا ما علمنا أن هناك أحياء شبه كاملة في الموصل ذات غالبية شيعية تضع إيران عينها عليها، وتريد ربما توظيفهم مذهبياً في هذا الاتجاه وهي "سادة وبعويزة وجزء من منطقة الرشيدية" وبالمحصلة فإن انتباهة تركيا، أو دخولها الميداني جاء متأخراً جداً، في محاكاة تنفيذها لحماية مجالها الحيوي، فهي بكل وضوح قاب قوسين أو أدنى من استراتيجية الكماشة، فذراع إيرانية، وأخرى من تصنيف مختلف، وهو "حزب العمال الكردستاني" العدو اللدود لتركيا.

لم يدع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مجالاً لأردوغان داخل العراق، يأتي أردوغان من اليمين، يأتيه العبادي من الشمال، فالعبادي لديه ذخيرة جيدة من شرعية وجوده في السلطة على أرض العراق، ومعه أميركا وتحالفها، ومعه القريبون من إيران في هلال يمتد من إيران للعراق لسوريا للبنان وأبعد قليلاً حيث ميليشيا الحوثي في اليمن، وكل الحلفاء يريدون منه صد أردوغان.

لكن قصة تركيا بالذات فيها تفاصيل كثيرة، تجعل الوجود التركي ليس احتلالاً تماماً، ويمكن أن يكون أقل حتى من اعتداء على أرض عراقية في نظر الأتراك، ويمكن القول إن الشرعية، والشرعية وحدها للوجود التركي هي نقطة الخلاف المحورية. من الواضح لنا كمتابعين، أن وقوف الرئيس مسعود البرزاني، مخالفاً للتوجه العام للعبادي، يزيد من شعبيته في داخل الإقليم الكردي، وفي داخل تركيا، وعند أردوغان المهم جداً للبرزاني، بل حتى يزيد من شعبية البرزاني في الموصل.

لدى سكان الموصل غالباً رأي شبيه بالبرزاني وأردوغان، لا يريدون للحشد الشعبي ذي الصبغة الطائفية والذي التصقت به موجات انتهكات خطيرة لحقوق الإنسان، لا يريدون منه أن يأتي إليهم، لا يريدون كذلك أي تغيير ديمغرافي داخل الموصل، ويريدون استعادة المدينة بأقل الخسائر لكن الموصل بلا رئيس! والسياسيون فيها لا يحسبون على الخريطة، ولا يظهرون، لا نسمع باسم محافظ نينوى الحالي مثلاً، نسمع باسم محافظها السابق أثيل النجيفي، الذي يقترب من تركيا ويبتعد عن بغداد يوماً بعد آخر، حتى أقدم القضاء في بغداد على جعله متهما بتهمة التخابر مع تركيا.

وهكذا رؤساء آخرون تهمّهم الموصل هذه الأيام، منهم الرئيس الفرنسي الذي بادر بإرسال جنوده مباشرة للموصل.. جنود وطائرات، وتعجل بمؤتمر عالمي خاص.

إنها الموصل، وشيء ما، من عالمية الاتجاه، وتشابك المصالح، وعقدة التخطيط الاستراتيجي لكل دولة قوية في هذه الأرض، حيث وفرة السياسة، وتشابك الأعراق، وتدفق النفط، وشيء ما من ثقافة الأطراف، فالموصل نهاية العرب، وبداية الكرد، وموطن الشبك والإيزيديين، وأول إطلالة على الترك. وما زالت تنتظر "الرئيس الجديد" الذي لن يأتي حالياً، حتى تكون محافظة نينوى إقليماً.