المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عامر الكبيسي Headshot

النفط وداعش سلاح بوجه مظاهرات العراق

تم النشر: تم التحديث:

رفع صدام حسين يوما عبارته الشهيرة "النفط سلاح المعركة" كانت هذه العبارة تدرس وتترجم ليتعلمها الطالب باللغة الإنجليزية في المرحلة الإعدادية سابقًا، ولعل أعمق نقطة في مظاهرات العراق حاليًّا هي قصة النفط وداعش، وعودة العلاقة بين الاقتصاد والأمن في جسد ثوري!! رغم طابع المظاهرات المدني والسلمي.

يمثل النفط نحو 98% من ميزانية العراق الكلية، وبعد نزوله إلى أدنى مستوياته خلال الأشهر السابقة، فإن حكومة العراق أصبحت شبه عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات البلد الاقتصادية ، كما تمثل داعش شبح الرعب للقفز على المتظاهرين، قد حدث أن مجاميع من المليشيات دخلت ساحة التظاهر وسط بغداد كما دخلت خيمة الاعتصام في البصرة وبابل، وهددت بأن داعش ستدخل بغداد إن لم يكف "الصبيان" اللادينيين عن التظاهر، قيلت كذلك قائمة مشهورة عن علاقة المظاهرات بحزب البعث والإرهاب وربما الكفار الشيوعيون بحسب المليشيات!!

لبغداد الأهمية الكبرى من صورة المظاهرات وبداية انطلاقها والتأسيس لها، لكن بنظرة فاحصة، يبدو أن محافظة البصرة لا تقل من ناحية التأثير عن مظاهرات بغداد، وتؤثر على المستقبل مباشرة.

ميزانية العراق معلقة حاليًّا برقبة نفط البصرة، وقد أبلغت شركة نفط الجنوب ببرقية عاجلة رئاسة الوزراء واستلمها حيدر العبادي أن استمرار الاحتجاجات في البصرة، ومحاصرة المتظاهرين لشركات النفط الأجنبية العاملة هناك، بأي طريقة من الطرق، ستؤدي فورًا إلى تقليل نسبة الإنتاج، ما يعني مزيدًا من انهيار ميزانية العراق المنهكة.

استلم العبادي الرسالة وطار إلى البصرة بسرعة لتدارك الموقف، وألغى رحلته التي كانت مقررة للصين في يومها، لأن الحكومة والاقتصاد لا يتحملان ضغطًا عليهما من البصرة، فنسب الإنتاج إن قلت، سيعني أن الاقتصاد في طريقه للانهيار.

كيف توزع ميزانية العراق ؟

وحتى نفهم ما يحصل في ميزانية العراق، فإنها توزع بين الحرب على داعش التي تشترك فيها قوات الحشد وقوات الأمن، كما أن الفساد المستشري في جسد الدولة ينخر الميزانية هو الآخر، ثم تذهب الأموال لتغطية نفقات الوزرات المتعثرة، وتثبيت سعر صرف الدولار حتى لا يظهر للعراقيين حجم الكارثة الاقتصادية في البلاد.

كانت الحكومة أثناء وقبل المظاهرات قد أحرج الكرد بقطع الميزانيات، فلم يعد ممكنًا تغطية نفقات المناطق الكردية وتحتاج إلى نحو 17% من ميزانية العراق، كذلك رواتب الموظفين في المناطق التي تسيطر عليها داعش في شمال وغرب العراق، كلها أصبحت خارج ميزانية الدولة حاليًّا.

الكرد بعد هذه التطورات قرروا الاستقلال تماما بميزانيتهم، واستفادوا على ما يبدو من المظاهرات على طريقتهم، في أنها نقلت ساحة الصراع من الإقليم وبغداد، إلى منطقة داخلية بين الحكومة وجمهورها، لكنها تسببت في طلب خدمات مضافة جعلت من الكرد كبش فداء إلى حد ما.

ربط الكرد نفط إقليمهم بتركيا بسرعة، وعقدوا كل الاتفاقات الكفيلة بذلك، بعقود طويلة الأمد، توفر عليهم ميزانية الإقليم، ولا تجعلهم يعودون لبغداد في أي حركة مالية، وهي كذلك فرصة مهمة لرفع شرعيتهم مستقبلًا كدولة خاصة، ينقصها اعتراف الأمم المتحدة، وبعض من السلاح الثقيل.

أما المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة " داعش " فإنها خرجت من الميزانية الحكومية، وبقي في داخل تلك المناطق موظفون سابقون يستجدون رواتبهم من الحكومة، والحكومة تقطر عليهم الرواتب، وتعطي أحيانًا، وتمنع غالبًا، كما أبلغت بعضهم أنهم في إجازة إجبارية، ما يعني عمليًّا، أن نصف العراق، أو أقل قد خرج من ميزانية العراق سياسيًّا وأمنيًّا، وبقي مال النفط يغطي فقط مناطق وسط العراق وجنوبه.

داعش ليست بعيدة عن خريطة الصراع، تمد أذرعها باتجاه ما وراء بيجي وما وراء الفلوجة، وأحيانًا قريبًا من سامراء، في مثلث تحاول من خلاله حماية عاصمتها وهي الموصل، بينما تخوض أشرس المعارك حاليا في الرمادي، مركز محافظة الأنبار، وثمة قناعة من الحشد الشعبي أن كل مظاهرات تخرج في محافظات العراق من شأنها أن تعطي داعش فرصة التقاط الأنفاس، كما أن الإصلاحات وتقليل النفاقات سيعني أن الحشد الشعبي يبقى بمال قليل، وهو ما حصل بالفعل في عدم صرف ميزانيته الخاصة، ما اضطر قيادات الحشد للتقدم بشكوى عن أعلى سلطة قضائية في العراق، وضغط قادة الحشد على القضاة من أجل إجبار البرلمان على صرف ميزانية الحشد الشعبي، وهو ما يضرب رؤية المتظاهرين.

فالمعادلة تنعكس تمامًا عند المتظاهرين الذين يعتقدون أن سبب وجود داعش هو فساد الحكومة والمليشيات وأن مظاهراتهم ستبني سدًّا منيعًا ضد الاختراقات المستقبلية.

العبادي يحب المظاهرات ويكره تصعيدها !!

ما بقي من أموال الميزانية، لا يكفي للوسط والجنوب ونفقات السيادة العراقية، ومن هنا تأتي لحظة التظاهر الخطيرة، فهي في ميزان حيدر العبادي تظاهرات تسمح له بتقليل النفقات، وطرد ما يمكنه من موظفين في الدولة العراقية على دفعات بحجة الفساد، وتقليل الرواتب، وإبعاد الحمايات الأمنية، من أجل أن يقلل نسبة العجز الخطيرة في ميزانية الدولة.

كانت المظاهرات لحظة إصلاحية بالنسبة له لترفعه من فشل متوقع، وهذا الفشل الاقتصادي مقلقًا ما دامت أسعار النفط تهبط، بينما يكون مؤكدًا إذا أثرت المظاهرات على كمية إنتاج نفط البصرة.

المالكي حجر عثرة !!

طرد موظفين كبار من مناصبهم له تبعات سياسية بلا شك، فخصمه نوري المالكي قوي إلى الحد الذي يجعله البعض مالكًا للدولة العميقة في العراق ومسيطرًا عليها وعلى قضائها، وخروجه من منصبه لن يجعله أضعف كما كان متوقعًا، لأنه عندما عاد من إيران إلى العراق وصل بطائرة وإعلام إيراني واضح، ولذلك يخشى العبادي على ما تبقى له من امكانية إنقاذ مشروعه في الحكم المرتبط حاليًّا بداعش والاقتصاد والتظاهر المنتج، بينما يصطدم بحجرة المالكي القوية.

المظاهرات التي كانت مصدر قوة للمالكي في أيامها الأولى، وبدى ذلك واضحًا من دعم إعلامه لها، والمليشيات المرتبطة به، أصبحت الآن مصدر إزعاج وقلق، فقد تبين للجميع في جنوب العراق تحديدًا، وفي الوسط كذلك، أن ثمة تيار علماني يمكن له أن يقف على رجليه، ويحظى بتأييد نخبة لا بأس بها من الطبقة الثقافية والشعبية في البلاد، وهذا ما يضرب بالصميم مشروع التشيع السياسي.

تيار علماني برائحة المرجعية !!

أطل التيار العلماني برأسه، وحظي بدعم واضح، وله قوة في كل العراق بلا شك، لكن التيار العلماني هذا لا سلطة له ولا مليشيات وتقريبًا لا إعلام، ولعل العراق جذره منذ بناء الدولة والحكم الملكي وحتى الاحتلال كان علمانيًّا، لكن وجود أمريكا واختيارها التوزيع الطائفي للعراق في مجلس الحكم، أعطى الأحزاب الإسلامية الشيعية السلطة، معتمدة على دعم شبه مطلق من المرجعية في النجف، لكن هذا الدعم يتراجع حاليًّا، والمرجعية الشيعية نفسها وقفت سريعًا إلى جانب مطالب المظاهرات، ووقفت إلى جانب إصلاحات حيدر العبادي من أجل تقليل النفقات، طالبت كذلك بضرورة الاعتماد على مصادر أخرى للدخل غير النفط، ولعل مرجعية النجف تحاول مسك العصا من الوسط، لكنها تمتلك خيوطًا مع الجميع، ولا يظهر للواجهة الطريقة التي تدير بها كل هذه الخيوط، فبعضها مع الحكومة وآخر مع المظاهرات وثالث مع الحشد وهكذا.

المستقبل برقبة الاقتصاد والأمن

العراق مقبل على وضع اقتصادي خطير، ومعلومات الاحتياطي العراقي من العملات أصبحت سرية أو تذكر بطريقة غير علمية، وثمة مصادر تؤكد أن الاحتياطي قد أخذ ثلثه منذ عامين وما بقي منه لا يزيد عن ستين مليار دولار بعد أن بلغ ستة وثمانين قبل عامين، ورقبة العراق معلقة بنفط البصرة، وبحرب داعش، بينما يحاول كل طرف الكسب من المتظاهرين على طريقته الخاصة.

المستقبل معقد للغاية، ترفع فيه نخبة من شباب البصرة راية لتحويل محافظة البصرة إلى إقليم، وهو مطلب شعبي لم يتحقق "إقليم البصرة" ويصعب أن يتحقق للظروف السياسية والدولية، كما أن الإقليم إن حصل فإنه سيأتي بتيار مدني إلى البصرة يؤسس لشكل جديد من السلطة ويكتب دستورًا لهذا الإقليم قد يخرجه من سطوة إيران، ويقربه للأمريكيين والبريطانيين والخليج.
في المستقبل تهديدات داعش، ورغم أن تمددها أصبح صعبًا، لكن الاحتمالات قائمة، والمظاهرات والنفط وداعش، ملفات تتداخل معًا لتشكل آخر وجه من وجه العراق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.