المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آمال كامل عبدالله Headshot

ديون الأمس بعملة اليوم

تم النشر: تم التحديث:

اطلعت مؤخراً على مقال بعنوان "ما يعرف ولا يقال" لكاتبة سعودية تدعى "زينب البحراني.

تصدّى عدد من الكتاب المصريين وغيرهم لنقد المقال غضباً مما جاء فيه، لكنني أرى نفسي مدينةً بالشكر لكاتبة المقال التي أتاحت لي، إبداء الرأي في بعض الأمور التي كنت أفضل عدم الحديث عنها، لكونها تمس شأناً داخلياً لدولة شقيقة، ولكن مقالك، يا عزيزتي زينب، أزال تلك الحدود فسمح لي باعتماد مبدأ المعاملة بالمثل.

بداية.. الخلاف على جزيرتَي تيران وصنافير لا يختلف، في رأيي، عن أي خلاف على الحدود بين دولتين، مما تمتلئ به أدراج وزارات الخارجية في العديد من الدول، الفارق أن عمق ومتانة العلاقات بين مصر والسعودية يسمح بإدارة الخلاف دون إثارة أية قلاقل أو فتن، يستفيد منها العدو دون الصديق، وربما كان هذا هو السبب وراء عدم تناول الإعلام السعودي للمسألة؛ إذ إنني واثقة أن من الإعلاميين السعوديين من يدرك خطورة الكلام غير المسؤول في هذه المرحلة من العلاقة بين الدولتين، وإن كنت كحقوقية أحترم رأي القضاء المصري في هذا الشأن.

أما عن بقية ما جاء في المقال، فأرى أنك تقمصتِ في مقالك عدة أدوار، حاولتِ من خلالها إيصال رسالة معينة للشعب المصري، أو ربما للحكومة السعودية نفسها، ولكن بعض الأمور قد اختلطت عليكِ، فاسمحي لي أن أعاونكِ في تحقيق هذا الهدف بشكل أكثر فاعلية.

عزيزتي..
حين مارستِ دور المحللة النفسية للشعب المصري، جازمة بأنه يظن أن مشكلاته تخفى على غيره من الشعوب، أغفلتِ وجود عدد من القنوات الفضائية تذيع عن كل دولة ما لا يعرفه البعض من شعبها، بل إن بعض القنوات أنشئت خصيصاً لهذه المهمة، ومارستها بشأن دول معينة، وتعمدت، على سبيل المجاملة، أن تغفل الحديث عن ظاهرة الفقر في دول أخرى، ولذلك أنصحك -عزيزتي- بالاطلاع على بيان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، فيليب ألستون، في مؤتمر صحفي عقده في الرياض، الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، بعد زيارته لعدة مناطق داخل السعودية.

أما في إفادتك، كمتحدثة رسمية باسم هذا الشعب، التي أكدتِ فيها أن من المصريين من يثور لكرامة أرضه ثم ينسى الأمر عندما يلمح عقد عمل في السعودية، ومن يسمح بأن تأخذ السعودية مصر كلها وتسجلها باسمها، مقابل حصوله على الإقامة في السعودية؟! فأراكِ يا سيدتي هنا قد حصرتِ مفهوم الشعب المصري في عدد من الفقراء المطحونين الذين يقبلون العمل في السعودية مقابل شروط مجحفة، وأجور تسد بالكاد رمق عائلاتهم، أو المثقفين المرتزقة وتجار الدين الذين لا يؤمنون بمفهوم الدولة وهم أنفسهم التربة الخصبة التي أثمرت فيها بعض الأفكار الوهابية التي انتشرت في ربوع مصر مع سبعينيات القرن العشرين، وتفرع منها بعض عناصر التطرف الإسلامي الذي تدفع مصر وغيرها من الدول العربية ثمنه منذ سنوات، والذي موَّلته دول عربية بدأت في سداد فاتورته من أمنها الداخلي.

تناسيتِ عزيزتي وجود العديد من المصريين لا يقبل أي منهم العمل في السعودية بالنظر لما عرف عنها من اعتماد إجراءات تتعارض مع أحد أهم حقوق الإنسان وهي حرية التنقل، فالسعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي يحصل فيها الوافد على إذن خروج لو أراد السفر خارجها، لأي سبب أثناء عقده، وهي كذلك الدولة الوحيدة التي لا تستطيع فيها المرأة التنقل وحدها بحرية أو حتى قيادة سيارة، هذا بالإضافة للعديد من القيود الاجتماعية المفروضة على المرأة.

وكثيراً ما قابلت جامعيين من جنسيات متعددة يرفضون العمل في السعودية لهذا السبب، ولن أطيل في الحديث عن هذه القيود التي دفعتني، وغيري، للاعتذار عن العمل في الجامعات السعودية أكثر من مرة، فتلك القيود، أياً كانت وفي كل الأحوال، شأن داخلي لدولة شقيقة.. لكنها السبب المباشر في رفض الكثير من الكفاءات من حاملي الجنسية المصرية، وغيرها من الجنسيات، للعمل في السعودية أياً كان المقابل.. فعقد العمل في السعودية لا يساوي ما يفرض على الوافد من قيود.

ولا أدري إذا كانت الحكومة السعودية قد كلفتك بالإعلان عن اكتفائها الذاتي من العمالة في كل المجالات بحيث يصبح استقدام العمالة المصرية لديكم نوعاً من المساعدة تقدمها الحكومة السعودية لنظيرتها المصرية جبراً لخاطرها، فعلى حد علمي ما زالت السوق السعودية بحاجة للعمالة الأجنبية، في أغلب التخصصات، ليس من المصريين فقط بل من كافة الجنسيات (لاحظي أن عدد العمالة الآسيوية لديكم أضعاف العمالة المصرية، فهل تجاملون الدول الآسيوية أيضاً؟!).

وإذا كانت الحكومة المصرية قد كلّفتك بالإعلان عن عدم استعدادها لاسترداد ملايين المصريين العاملين في السعودية، وتوفير فرص عمل لهم في مصر، فهو ما أؤكد على صحته؛ إذ إن الحكومة المصرية حريصة على استمرار وسلامة السعودية في كل المجالات، وهو نهج الحكومة المصرية منذ زمن، بداية من المساعدات المالية والغذائية التي قدمتها الحكومة المصرية لأهل الحجاز منذ مئات السنين، وانتهاء بالجيش المصري الذي تولى مهام عديدة لصالح السعودية على مدى سنوات، ومروراً بكسوة الكعبة وعيد المحمل، وما كان يحمله من مساعدات لأهل هذا البلد الشقيق، ولا ننسَ أهل العلم من المصريين الذين محيت على أيديهم أمية عدد لا يستهان به من أبناء الشعب السعودي الشقيق في مختلف المجالات.

عزيزتي.. أنصحك بعدم فتح دفاتر الحسابات التاريخية بين الدولتين؛ لأن فارق الديون لن يكون لصالحكم لو حسبنا مساعدات الأمس بعملة اليوم.

أما عن تساؤلك حول استعداد الحكومة المصرية لرد المليارات التي تم دفعها مقابل تيران وصنافير، فالرد عليه مشروط بإفادة الحكومة السعودية بصحة ادعائك، أو بالأحرى اتهامك للحكومة المصرية ببيع جزء من إقليم الدولة.

وعلى ذلك أرى أنه من واجبك ذكر مصدر هذه المعلومة.. وإلا فعلى المسؤولين في الحكومة السعودية نفي ما جاء في مقالك بشأن بيع وشراء جزء من الإقليم المصري، لقطع دابر الفتنة التي قد يثيرها اتهامك الذي أنزّه عنه كل مَن حمل سلاحه يوماً ما دفاعاً عن أرض هذا الوطن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.