المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو محمد عبدالرحمن Headshot

من تيران وصنافير إلى الوراق

تم النشر: تم التحديث:

في صباح عيد الفطر الماضي، وقَّع السيسي نهائياً على صفقة بيع جزيرتي تيران وصنافير، ولكن كان رد فعل الشعب المصري ضعيفاً أو يكاد لا يوجد ردُّ فعل يُذكر، سوى الوقوف على سلالم نقابة الصحفيين والهتاف.

جزيرتان لهما أهمية استراتيجية في خليج العقبة وطريق الملاحة في البحر الأحمر، لا يعرف أهميتهما الحقيقية سوى القادة العسكريين الذين خاضوا الحروب من أجل بقائهما تحت السيادة المصرية، وسال الدم المصري على هاتين الجزيرتين من أجل تلك الغاية والقيمة، وهناك شهداء مصريون مدفونون في تلك الأراضي الطاهرة، وجاء السيسي الخائن ومجلس عسكره بالموافقة التامة أو الصمت على إتمام تلك الاتفاقية.

ردُّ فعل الشارع المصري السلبي، لم يكن بالنسبة لي غريباً؛ بل هو متوقع تماماً؛ فبعد وفاة الإخوان المسلمين إكلينيكياً، مات معها الشعب المصري، وماتت معهم الوطنية وحب الانتماء، ولم يعد في مصر سوى شلة من منتفعي النظام أو "الشعب الغلبان" المغلوب على أمره والذي لم يعد يريد سوى العيش فقط، في أي بيئة كانت، سواء كانت بيئة فقر، أو ظلم، أو قهر.. لا يبالي!

لكن، ماذا حدث في جزيرة الوراق؟ جاءت قوات الأمن إلى الجزيرة بعد أن ذهب شبابها ورجالها إلى العمل، ومعظم سكان هذه الجزيرة من الطبقة البسيطة التي ليس لها دخل سوى قوة وسواعد أبنائها.

دخلت قوات الأمن وبدأت بالهدم العشوائي للمنازل والبيوت، ولكن هنا ظهرت المفاجأة؛ فقد استبسل أهل هذه الجزيرة ضد قوات الأمن وسقط منهم شهيد "من قُتل دون ماله فهو شهيد".

وبجانب هذا الاستبسال من الأهالي، هناك رواية من شاهد عيان أن المجندين رفضوا أوامر الضباط بإطلاق النار على إخوتهم وعلى أهلهم؛ ما جعل هناك قتلى في صفوف قوات الأمن بسبب ذلك، وهو ما أعاد إلى الأذهان بعض مشاهد ثورة يناير/كانون الثاني.

وقامت الدنيا واضطرت قوات الأمن إلى الانسحاب حتى إشعار آخر، كل سكان هذه الجزيرة توافقوا على أنهم سوف يموتون على هذه الأرض ولا يتركونها تُسرق من بين أيديهم؛ بسبب طمع الخونة مقابل حفنة من المال الرخيص للمستثمرين الإماراتيين.

فقارنتُ رد فعل الشعب المصري على بيع جزيرتي تيران وصنافير، ورد فعل الشعب الوراقي على بيع جزيرتهم.

فقد نجح نظام الانقلاب في قتل الانتماء إلى هذا الوطن في قلوب الشعب المصري عامة وفي قلوب الشباب بشكل خاص؛ لذلك بعد بيع الجزيرتين لم يجد النظام أي رد فعل قوي، ولكن وجد السكون، وكل من أراد الاعتراض فتحوا له نافذة لكي يُخرج غضبه فيها؛ ألا وهي سلالم نقابة الصحفيين!

لكن أهل جزيرة الوراق يمتلكهم الانتماء إلى جزيرتهم، فلا وطن لهم غيرها، ولا مكان لأطفالهم سواها، فعندما جاءت قوات الانقلاب لإخلاء الجزيرة وجدت قوات الأمن ذلك الانتماء الذي اعتادت ألا تجده في المصريين، وجدت تلك القوة التي كانت تعمل جاهدةً على إخمادها، فكان ردُّ فعل أهل الوراق صادماً لهم؛ ما اضطرهم إلى الانسحاب.

هذا ما أردت الإشارة إليه من غياب الانتماء لدى الشعب المصري وشبابه، كل الشباب يحاول الهجرة وترك وطنه، ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية، لكن بسبب أنه فقدَ شعوره بالانتماء، فقدَ شعوره بأن هذا البلد وهذه الأرض مِلكه، فقدَ شعوره بأنه يملك القدرة على تغيير بلده إلى الأفضل.

ففضَّل أن يعيش في بلاد الغربة، يعيش بين أناس لا يشبهونه، أناس يجد الصعوبة في مخالطتهم وترك كل أهله وأصحابه وأحبائه خلف ظهره؛ ليبحث عن مكان فقط "آمن"، لا أكثر ولا أقل.

رحم الله شباب مصر، والبقاء لله في الدولة المصرية المقتولة مع سبق الإصرار والترصد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.