المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو عبدالهادي  Headshot

شكراً دول الحصار

تم النشر: تم التحديث:

لا يخفى على أحد في الخليج ترابُط الشعب القطري مع نظيره السعودي منذ زمن بعيد؛ حيث امتداد القبائل والعائلات بينهما، فلقد أثَّر هذا الامتداد على الشعبين؛ حيث جعل العاطفة الأخوية بين الشعبين قوية، فكل شعب منهما مترابط مع الآخر أكثر من ترابطه بحكامه -إن جاز التعبير- وظل الشعبان طوال عقود ينزعجان إذا توترت العلاقة السياسية بين الحاكمين، إلى أن أتى هذا الحصار الذي لم يكن له مقدمات عند الشعبين القطري والسعودي، بخلاف الساسة الذين كانوا يعلمون أن هناك شيئاً في الأفق، ولكن أيضاً لم يكن أحد يصدّق منهم أن هذا الشيء سيكون اختراقاً وتلفيقاً وكذباً وقطع أرحام، وقطع علاقات، ثم خوضاً في أعراض.

هذه أشياء لم يعتَدها الشعبان، وبالأخص الشعب القطري؛ حيث إنه شعب هادئ بطبيعته يطغى عليه تمسكه بالأصول أكثر من مشاكل الحياة والعصبية، وعندما حدث هذا الحصار استيقظ القطريون على صوت كقنبلة هيروشيما أو فيضان تسونامي، ورغم هذا التشبيه، فإن مكاسب الحكومة القطرية لا تعد ولا تحصى، رغم الخسارة المادية التي طالت الجميع من دول الحصار، ويعد أول مكسب للحكومة القطرية هو استيقاظ الشعب من الشعارات الجوفاء التي استخدمتها حكومات الحصار؛ حيث وجد أشقاءه الذين فضلهم على نفسه، وعلى قيادته، ينهشون في الشعب ويحاصرونه ويمنعون عنه قوت يومه.

وظهرت حنكة تخطيط القيادة السياسية القطرية التي كانت تضع كل البدائل منذ عشرات السنين؛ لتتخطى سلبيات الحصار، وتستعيد توازنها في أقل من 48 ساعة، ومن هنا كانت أول خسارة للسعودية هي خسارة المجتمع القطري بأكمله؛ حيث علم المواطن القطري أن لا أحد سيحنو عليه غير قبيلته وليس امتدادها، وحكامه وليس الحكام الآخرين، فكان هذا الدرس الأول الذي جعل كل صغير وكبير يعتبر الأمير تميم بطلاً، ويضع صورته في كل مكان في قطر، ولهم الحق في ذلك، ونتفهمه، فلقد صمد الأمير الشاب أمام ٤ دول تقارب مساحتها مجتمعة 4 ملايين كيلومتر مربع.

والحقيقة أن قطر ذات 11.600 كيلومتر مربع صمدت وهزمت شبه جزيرة بأكملها، وأيضاً أمام 4 حكام؛ حيث أصبح الأمير الشاب صاحب الأربعين ربيعاً يجابه حكاما قاربت أعمارهم مجتمعين 300 عام، بل صاحب الخبرة الرباعية في حكم الدوحة أصبح يواجه حكاماً تجاوزت خبرتهم ٩٠ عاما خبرة في المناصب السياسية.

والحقيقة وما يحزننا أنه منذ تاريخ هذا الحصار أصبح وسيظل الشعب القطري لديه غصة داخلية تجاه السعودية وترقب، وعلى الجانب الآخر أصبح الالتصاق أبدياً بين الشعب القطري وقيادته الحاكمة فما حكَّ جلدك مثل ظفرك.

أما الفائدة الثانية التي استفادت قطر منها فهي إنهاء التزامها الأدبي تجاه بعض جيرانها؛ حيث كانت تراعي الإمارات، وحرصها على السياحة، فكانت قطر لا تنافسها في أسعار فنادقها وطيرانها وتأشيراتها، فقامت قطر بالتحرر من ذلك، مما جعلها تكتظ في زمن الحصار خلال أيام العيد وبنسبة إشغال للفنادق وصلت لـ100%، ولأول مره تفتح التأشيرة الفورية لـ37 جنسية جديدة، فأخذت من حصة الإمارات السياحية.

أما الفائدة الثالثة: تنوع المنتجات الغذائية، وانفتاح السوق القطرية على أسواق جديدة، وخاصة منتجات الألبان التي احتكرتها شركات سعودية على مدار 10 سنوات سابقة، وغيرها من المنتجات الأخرى، ولن يعود هذا الاحتكار مرة أخرى حتى مع عودة العلاقات، وبعد رفع الحصار؛ لأن قطر قد رتبت التزامات تجاه الآخر، وقطر تتسم بالالتزام تجاه شركائها.

أما الفائدة الرابعة فهي أن حصار قطر جاء بمثابة ترويج عكسي لها، فأصبح المواطن الغربي يسمع عن قطر في إعلامه؛ لأن الإعلام الخليجي جعل منها مادة للتداول الإعلامي العالمي، ولكن تناوله لها ليس كتناول الإعلام الخليجي، بل تناوله لها بموضوعية، فمنح قطر دعاية لا يوازيها إلا دعاية تنظيمها لكأس العالم 2022، وهذا جعل حكومة قطر في ورطة؛ لأن قطر لا تنام، فالتنمية فيها وإنشاءاتها مستمرة على قدم وساق؛ حتى إنها رشدت في دعايتها عن كأس العالم 2022؛ لأنها لا تريد الاندفاع في ذلك، وهذا الحصار جعل الجميع في دول العالم يريد أن يرى قطر تلك التي يتحدث عنها الجميع، فالإعلام الغربي لا يقول إنها تمول الإرهاب، بل يقول إنها محاصَرة.

أما الفائدة الخامسة فهي كسر الهيمنة الأميركية في منطقة الخليج؛ حيث إن قطر الآن تحررت من الصديق الواحد والحامي الواحد، وأصبح لديها أصدقاء جدد وقاعدة أخرى هي التركية، وهذا يعد صفعة على وجه ترامب قبل أن تصبح على وجه الحصار.

وأعتقد أنه بعد تلك التجربة، وانتهاء الحصار، قد يقل عدد المتواجدين في القاعدة التركية، ولكن لن تغلق؛ لأن الحصار يفك في ليلة ويغلق في ساعة، كما رأينا، والمرة القادمة إذا أغلقت القاعدة التركية سيكون اجتياحهم لقطر قبل غلق المعبر حتى لا تأخذ قطر احتياطاتها.

أما الفائدة السادسة فهي انكشاف كل المؤسسات المستترة التي كان بعضها ينال الرضا والثقة القطرية؛ حيث إن الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد استخدما كل الأوراق، وبلغة السياسة قد حرقاها جميعاً، بدءاً من مفتي الحرم إلى صحف كانت تقرأ قطرياً قبل الصحف القطرية، فأصبحت كل تلك الأدوات عارية تماماً، وستحتاج القيادة الجديدة هناك إلى سنين لتجميل وجهها، بل صنع غيرها.

الفائدة السابعة: إذا ما انتهت تلك الأزمة على طاولة حوار الأمير تميم والملك سلمان، برعاية الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت، فلن يغلق ذلك المعبر، ولن تغلق أجواء الطيران أبداً مستقبلاً؛ لأن الجميع قد علم أن إجراء سحب السفراء في 2014 الذي كان لا يمثل أي ضغط على الحكومة القطرية آنذاك، كان أقوى أدبياً من الفُجر في الخصومة الذي حدث في 2017، فبالأخوة أغلقت الجزيرة مباشر مصر، وبالعنف والأكاذيب لم يجنِ إلا صفعات تلي صفعات.

الفائدة الثامنة: تغيير وصف الأمير تميم وانتقاله لدى الشعوب العربية من مرحلة حاكم دولة قطر إلى مرحلة قائد يرعى الثورات العربية والقضية الفلسطينية التي تنازل عنها الجميع، كما انتقل أيضاً بالنسبة لحكام الخليج من أمير شاب أتى حديثاً للحكم إلى رئيس محنك لا يستهان به.

الفائدة التاسعة: إن تلك الأزمة جعلت العالم يشهد بنجاح الدبلوماسية القطرية عالمياً على دبلوماسيات الدول الأربع، برغم القيادة الشابة التي أتت منذ ما يقارب العامين؛ ليدخل ضمن الدبلوماسيات الثقيلة نسبياً، وهو طبعاً جهد ونجاح لكل مَن سبقوه.

الفائدة العاشرة: انتقال الجزيرة الإخبارية من مصاف القنوات العربية إلى مصاف القنوات العالمية، رغم نطقها بالعربية وحيازة الشبكة عموماً دعاية مجانية لم تكن تحوز عليها إلا بشق الأنفس، وملايين الدولارات تنفق على شركات إعلانية، وتحرر الخط الإخباري لها خلال شهر الحصار جعلها تتخطى كونها الأولى عربياً؛ حيث أصبحت تغطي الشأن المصري بحرية، والشأن السعودي والإماراتي بانطلاقة منذ الأزمة، فلا يعقل أن يتناول إعلام "سكاي نيوز" الإمارات و"العربية" السعودية أخبار قطر بالكذب، ولا تتناول قطر أخبار دول الحصار الحقيقية.

الفائدة الحادية عشرة: وقوف القيادات والأجهزة القطرية على الاختراق الداخلي للسوق المحلية؛ حيث ظهرت بعض الشركات التي زرعت في سوق قطر لتكدير الأمن العام، والإضرار بقطر في مثل تلك الأحوال، وهي لا تذكر؛ حيث رأينا هذا في شركة أوراق مالية تمتلك الإمارات حصة من رأسمالها، وهذا العدد الضئيل يؤكد يقظة الأجهزة، وتحريها عن الشركات التي تطلب الاستثمار في السوق الخليجية قبل اكتتابها.

الفائدة الثانية عشرة: تماسك جبهة قطر الداخلية؛ حيث لم يخرج معارض واحد للنظام في قطر رغم تهديدات هذا الخلفان والدحلان وغيرهما من مدفوعي أبوظبي.

الفائدة الثالثة عشرة: اكتشفت الشعوب الخليجية أن الحقد والهجوم على الشيخة موزا بنت ناصر طوال تلك السنين لم يكن لأنها امرأة تعمل في الحقل العام، بل لأنها نجحت نجاحات كبيرة على مستوى الصحة والتعليم، وهو ما ظهر جلياً عند استقبال إيفانكا استقبال الفاتحات، وهي لا تملك أي نجاحات تذكر إلا أنها بنت ترامب الرئيس الأميركي.

الفائدة الرابعة عشرة: كما أن استضافة حماس رسخت عند المواطن العربي أن قطر هي كعبة المظلوم منذ المؤسس، ورسخها الأمير الوالد حمد آل ثاني، الذي زار غزة، وشارك في إعادة إعمارها بعد أن هدمها العرب بأيدي الصهاينة في عدة حروب متتالية، فأصبحت البلاد المحاصرة لقطر تؤوي الحكام بن علي وعلي عبد الله صالح وأحمد شفيق السارقين والقاتلين لشعوبهم، بينما قطر تؤوي الشخصيات السياسية المطاردة من الحكام.

الفائدة الخامسة عشرة: ما قبل ٢٠ يونيو/حزيران ٢٠١٧ ليس مثل ما بعده؛ حيث إن سياسة قطر الآن أصبحت على مستوى العالم قوية واضحة راسخة متينة، وأثبت هذا الحصار أن سياسة قطر الاستثمارية اتسمت بالنضوج عن مثيلاتها في الخليج؛ حيث إن قطر وزعت استثماراتها الخارجية بين بريطانيا وأميركا وأوروبا، وهذا عكس ما فعلته السعودية؛ حيث رمت بكل ثقلها في السوق الأميركية؛ مما جعلها تدور وجوداً وعدماً مع السوق الأميركية، وهي غلطة لا تغتفر، رأينا تأثيرها عندما أقرت أميركا قانون جاستا.

الفائدة السادسة عشرة: سقوط هيبة دول الحصار بأنها أصبحت مادة دسمة للتهكم لدى الشعوب العربية، من أول "المعدة القطرية" إلى "البقرة العربية".

وختاماً أقول للقطريين: إن هذا الحصار سيذكر في تاريخكم كفتح مبين ونصر عظيم، استطاعت قطر ومن ورائها تركيا تقويض صفقة القرن، والحد من سايكس بيكو جديدة، والإبقاء على أمل الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف، فهذا الحصار كمَن أمسك بشفرة ليحلق لحيته، فكاد يجز رقبته ليجرح نفسه جرحاً غائراً، فلا نعرف ماذا نقول لدول الحصار نعيماً، أم أقول لهم شُفيتم؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.