المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو عبدالهادي  Headshot

أرطغرل الغائب الحاضر

تم النشر: تم التحديث:

لا أخفيكم سراً لست شغوفاً بمتابعة المسلسلات التركية وغيرها، ولكن حينما ذاع صيت المسلسل التركي أرطغرل بين الناس، بدأ ينمو إلى مسامعي، وتعجبت من انتشاره، وزاد ذلك الفضول لدي حينما أعلنت دولة قطر إذاعته عبر شاشتها الصغيرة، فشعرت بأنني يجب أن أشاهده حتى ولو عدة حلقات منه، فما لا يدرك كله لا يترك كله، وبالفعل شرعت في مشاهدته من قبيل المعرفة والرؤية النقدية لهذا المسلسل، ولأن أرطغرل بن سليمان شاه سيرته التاريخية معروفة للجميع؛ لأنه واضع أول حجر في تأسيس الدولة العثمانية، ليس فقط لأنه والد عثمان، مؤسس الدولة العثمانية، بل أيضاً لأن رقعة قبيلته اتسعت كثيراً وتمددت أثناء توليه حكم قبيلة "الكايي".

والحقيقة أن المسلسل جذب قطاعات مختلفة وواسعة ممن انشغلوا وآمنوا بالربيع العربي، وممن أعجبوا بالرئيس رجب طيب أردوغان، مما جعلهم يتابعون المسلسل بشغف، وحينما بدأت في مشاهدة المسلسل وجدت معالجته الدرامية لا تختلف كثيراً عن المسلسلات التركية، من حيث التشويق والنزعة الدرامية؛ حتى تجذب المشاهد، وهذا أعتبره ذكاء بكل المقاييس أن يضع القائمون على العمل في خطتهم فئة من المتابعين كانت تجلس لترى مسلسلات سطحية مثل نور ومهند وغيرها.

وكون أن مشاهد تلك المسلسلات السطحية انجذب فعلاً لمشاهدة مثل هذا المسلسل التاريخي الهادف، ويرى قصة حياة بطل من أبطال الإسلام، فهذا نجاح منقطع النظير، وفي سبيل هذا لم تهم الأتراك الطريقة التي تعرض بها سيرة "أرطغرل"؛ بل كان همهم أن يظهروا للناس سيرته، والأهم ألا يمل المشاهد من المسلسل، بل نجحوا لدرجة أن المشاهد العربي أمسى ينتظر بشغف الحلقات الجديدة، وأعترف أن رؤيتي لهذا المسلسل جعلتني أيضاً أسعى لمتابعة مسلسل "السلطان عبد الحميد الثاني"، قبل بدء أي ضجة إعلامية عليه، وأيضاً وجدته لا يقل في شيء عن مسلسل "قيامة أرطغرل"؛ بل يزيد.

أدرك الأتراك أهمية هذا النوع من الدراما، مما جعل الرئيس رجب طيب أردوغان يقوم بالتسويق له بنفسه، من خلال زيارته لموقع التصوير مع السيدة حرمه، كما أيضا أشار إلى المسلسل في لقاءاته الإعلامية، وهذه رسائل سياسية واجتماعية للداخل والخارج، وكان أكبر دليل سياسي على نجاح انتشار المسلسل حينما رأينا المقدمة الموسيقية لمسلسل "أرطغرل" تعزف على مائدة الرئيس أردوغان في زيارته الرسمية لمملكة البحرين، وبعيداً عن هذا، فإن المسلسل رغم الأخطاء التي به من تكرار وجود بعض المحاربين الذين قتلوا في مشاهد جديدة، وبعض الأخطاء في الراكور، فإنه نجح بامتياز، وتعتبر هذه الأخطاء أقل كثيراً من نظيرتها في المسلسلات التاريخية المصرية، فأتذكر أنه في أحد المسلسلات الدينية المصرية كانوا يأكلون على المائدة بالشوكة والسكين.

إلا أنني حقيقة كنت سعيداً بتجاوز تلك الأخطاء؛ نظراً لكثرة تفاصيل الأحداث وضخامة إنتاج المسلسل، وأهم ما أكده المسلسل هي المعالجة السياسية بربط الماضي بالحاضر، وربط الصراع الحالي في الشرق بأصوله التاريخية التي بدأت من الغرب مع انطلاق الحروب الصليبية، وهذا هو الأهم، وبعيداً أيضاً عن بعض الأحداث التي تم تغييرها مثل طريقة موت سليمان شاه التي استبدلت من الغرق أثناء عودته من الغزو إلى موت مفاجئ، وجعله المخرج يموت بتلك الطريقة الدراماتية، وأيضاً بعض الشخصيات التي تمت إضافتها إلى السياق الدرامي، وهي غير موجودة أساساً في التاريخ العثماني، إلا أننا لسنا بهذا الصدد الآن.

بعد أن شاهدت حلقات المسلسل ورأيت كيف أقبل العرب عليه ورأيت كثرة متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي تعمدت البحث هل المسلسل نجح في توصيل رسالته؟ وهل زاد الوعي لدى مشاهديه أو حتى خلق وعياً جديداً؟

فكانت المفاجأة أن فحص نتيجة عينات عشوائية من متابعيه بأن الأكثرية من هؤلاء المتابعين لم يستخلصوا أي درس مستفاد، وتلك صدمة كبيرة جداً!
بالفعل لست متجنياً فعلاً فهم لم يستفيدوا بأي درس من سيرة أرطغرل للحاضر والمستقبل، وهذا ما يؤكد أن العقل العربي ضربه الصدأ.

إن أرطغرل ظل يحارب الفتن الداخلية والخونة داخل الصف التركي، وجعل لهم الأولوية قبل محاربة أعداء الدولة، وبدأ من عمه إلى أن وصل إلى القبائل التركية الأخرى، وفي كل مرة كان يحقق نصراً على الخونة المخترقين لصفوفهم كان بعدها يحقق نصراً في الخارج، سواء بالاتحاد أو بنجاح الغزو، وهو ما كان واضحاً جداً في رسائل العمل الدرامي، وحينما نسقط هذا المسلسل على الواقع المصري نجد أن معظم المصريين شاهدوا المسلسل، ولم يستفيدوا أو يتعلموا منه، ففي الوقت الذي يحارب فيه أرطغرل عمه شقيق أبيه "كورد أوغلو" ويقتله؛ لأنه كان طماعاً وجرفه طمعه إلى أن يخونهم.

يقول هؤلاء حينما تفضح شخصاً داخل الثورة المصرية له علاقات مشبوهة بحزب الله وآخرين من أعداء الثورة المدسوسين بيننا، ويقول كلمات من قبيل "لا تشق الصف"، أو "ليس وقته أن تقول إن فلاناً مجرم أو غلطان"، أو المقولة الأشهر "توحدوا يرحمكم الله".

وحينما رأوا أرطغرل يقف بالمرصاد متصدياً لـ"جاندار"، رئيس قبيلة تشافيدار (حسب أحداث المسلسل)، وحينما شاهدوا "أرطغرل" يخالف إجماع القبيلة، ويأخذ قلة منهم ويذهب إلى طريق آخر بعيداً عن إخوته وأمه مخالفاً الجماعة منفصلاً عن إخوته، لا يستخلصون من ذلك الموقف أيضاً أي عبرة !

ويعود المشاهد ليكتب على مواقع التواصل الاجتماعي "يجب أن تلتحم مع نخبة 30 يونيو/حزيران الذين أجرموا أكبر إجرام في حق الوطن"، بل إنه لا مانع لديهم أن يصبح هؤلاء المتهمون بالسذاجة السياسية قياديين للصف مرة أخرى!

إن نجاح المسلسل وعدم استخلاص عبر منه هو ما جعل عندي شغفاً أن أقارن بين محطات أرطغرل ومحطات الثورة المصرية، يا سادة أي طماع ينتهي به الحال للخيانة، وأي نصر لا يأتي من خلال الطماعين المتاجرين المنتفعين، وأي تقدم لن يأتي إلا بعد تنقية الصفوف، فلقد حصحص الله الحق والباطل في 30 يونيو ولكنكم تصرون على السذاجة التي تعتبر أحد أسباب ما وصلنا إليه، ولا تتذكرون أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وتتبعون الهوى حتى بعد أن فضحهم الله، بل وتصّرون على أن تولوهم عليكم !

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.