المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو عبدالهادي  Headshot

عَلَم الثورة

تم النشر: تم التحديث:

كل مَن يقرأ التاريخ يعرف أن ما من ثورة قامت في العالم ونجحت إلا وكان باكورة نجاحها إسقاط عَلَم الدولة التي قبلها، وجاءت ثورة الاستقلال في ليبيا بعَلَم جديد، وجاءت ثورة الضباط الأحرار في مصر بعَلَم خاص بها، وجاءت تغييرات سوريا في كل مرحلة بعَلَم جديد، حتى إن الاحتلال كان يأتي ليغير عَلَم البلد الذي يحتله، ثم الآن حينما أسقط ثوار ليبيا القذافي أسقطوا عَلَم دولته، وغيّروه إلى الأخضر والأسود والأحمر، ثم ثورة سوريا التي أطاحت بعَلَم الأسد لتغير في ألوانه، ولعل الثورة الوحيدة التي خالفت تلك القاعدة المستقرة تقريباً في التاريخ المعاصر، هي ثورة تونس التي تعتبر الثورة الوحيدة المستقرة نوعاً ما برغم اعتلاء حكمها أحد رجال نظام بن علي البائد.

وفي مصر في عام 1919 قامت الثورة العُرابية، وكان حينها عَلَم مصر أحمر وبه ثلاثة أهلة تحتضن ثلاثة نجوم، فاضطر الملك حينها لقبول العَلَم الأخضر ذي الهلال والثلاثة نجوم كنوع من أنواع تبريد الثورة، وإيهام الثوار بأن الثورة نجحت، وبين ثورة 1919 وثورة 25 يناير/كانون الثاني لم ينفذ أي مما ثار الشعب لأجله إلا في المرتين إلى الآن.

إن الضباط الأحرار قاموا بانقلابهم وظلوا قرابة عام بعد إسقاط الملكية يؤدّون التحية العسكرية لذات العلم الأخضر، حتى بعد الانقلاب على الرئيس محمد نجيب، حتى جاءت الوحدة مع سوريا، فتمت الإطاحة بالعَلَم الأخضر نهائياً مع اسم مصر من الجمهورية؛ لتصبح الجمهورية العربية المتحدة، ولعَلَم عبد الناصر ورفاقه بارتباط المصريين العاطفي للمألوف وعدم حبهم للتغيير، فتنبه الضباط الأحرار عند تغيير العَلَم لأول مرة لهذه السيكولوجية لدى الشعب المصري، فاستمروا من 1953 وحتى 1958 معترفين بالعَلَم الأخضر في قلب العلم الجديد؛ حيث بدأوا بتغيير العَلم إلى ألوانه الحالية الأحمر والأبيض والأسود، وفي وسطه نسر صلاح الدين مفرود الجناحين، الذي يدل على استعداده للهجوم ويقظته، وفي قلبه وضع العلم الأخضر، وهذا الحرص على وضع العَلم القديم داخل قلب العلم الجديد جعل الشعب المصري يعتاد نفسياً على العلم الجديد، ولا يتذمر عند إسقاط العَلم الذي ظل نصف قرن تقريباً مرتبطاً بهم، وبعد فترة كان سهلاً دون أن يستشعر المصريون أي تغيير أن تتم الإطاحة بالعلم الأخضر نهائياً.

ولعل تغيير العَلم وصنع عَلم للثورة المصرية هو حلم راودنا جميعاً منذ انطلاق ثورة يناير، ولكن الدولة العميقة التي تربصت بالثورة بعمليات إشغال وإنهاك وتشتيت مستمرة جعلت الحلم لا يبارح الأذهان، ورغم مناداتنا مراراً برغبتنا في تغيير العَلم حتى ولو بالعودة إلى علم ثورة 1919، فإننا لا ننسب الفكرة لنا ولا لغيرنا، فهي حلم جماعي لم يرتقِ إلى فكرة حتى، ورغم أن فكرة تغيير العَلم وصنع عَلم مرتبط بدولة يناير يبدو لكثير أنه فرعيات، ولكن في الحقيقة فإنه له دلالة كبيرة، فإن استطعنا كمعارضة اتخاذ تلك الخطوة والحديث فيها حتى، فهذه بشرى أننا نستطيع مواجهة الدولة العميقة مستقبلاً، ونعيد هيكلة أذرعها من جيش وشرطة وقضاء وإعلام، ولكن للأسف أعتقد أننا بعد 5 سنين لم ينمُ لنا أنياب بعد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.