المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو عبدالهادي  Headshot

التحولات في الحركات الإسلامية

تم النشر: تم التحديث:

لا يخفى على أحد في المجال السياسي والاقتصادي أنه حينما يتحرك مركز الجزيرة للدراسات تتحرك المياه الراكدة، وحينما يسكن تسكن تلك الحركة، فهو المركز الوحيد فعلياً الذي لا يخشى تجميع المخالفين للرأي من القطر الواحد، بل المخالفين للرأي في البلدان المختلفة على تقارب وتباعد أيديولوجياتهم، ليضع مادة علمية دسمة للعالم العربي والعالم ككل، وقد حضرت أخيراً ندوة تحت مسمى "التحولات في الحركات الإسلامية"، ورغم كثرة اعتذارات المحاضرين التي أخلت بالشكل العام للندوة فإنها كانت ثرية جداً رغم كل هذا، والحقيقة أنني شاركت على مدار يومين كاملين في الندوة.

سمعت خلال اليومين متحدثين أكاديميين وسياسيين من التيار الإسلامي التنويري من جميع الدول العربية تقريباً، ويؤسفني أن أقول إنني لم أستمع منهم إلى مشروع بل وجدت إقراراً باستيعابهم الدرس الغربي لهم منذ نجاح الثورات وحتى الآن، كمن عذب ليعترف فاعترف، فكانت الانقلابات الخشنة في مصر وسوريا وليبيا واليمن أو الانقلابات الناعمة، كما حدث في تونس هي السوط الذي جلدوا به، وكانت ما تسمى بالمراجعات التي يطلقونها ليل نهار هي بمثابة اعتراف، وللأسف بجانب تلك الاعترافات (المراجعات)، لم يجدوا حلولاً بل قرروا أن يكون الحل هو استمالة الغرب بالتنازلات أكثر مما تفعل الأنظمة المستبدة والثورات المضادة الآن، حتى يرضى عنهم الغرب كمشروع بديل عن ذلك الذي يحكم الآن، وهذا المشروع كان واضحاً من الوهلة الأولى للإسلاميين، فلماذا لم يستوعبوا هذا آنذاك ودياً ما داموا استوعبوه الآن قهراً؟!

إن الإسلاميين أساتذة ورؤساء أقسام في فن الخطابة والخطاب، ولا يخفى عليهم أن الخطاب له درجات، وعلمتنا الدنيا قبل أن تعلمنا السياسة أن صعود الخطاب بدرجاته هو فن، حتى إن المخلوع مبارك كان يخرج للعلن بخطاب مهاجماً إسرائيل في العلن، ولكن ما يحدث في الحقيقة أنه يعطيهم ما يريدون في الغرف المغلقة، وأحياناً مهاجماً وأحياناً مدافعاً، لكن ما رأيته من الإسلاميين في خطابهم عن المراجعات هو استسلام كامل، بل استجداء للغرب لنيل الرضا، وأستثني من هذا مراجعات الحركة الإسلامية حماس الآن، فيما أعلنه رئيسها عن عدم خوضه الانتخابات القادمة تعد مراجعات في موضع قوة، فلا يمكن إلا أن نخلع القبعة له، فتجديد دماء الحركة تحت أعينهم يقيها من أمراض التصدعات التي نالت كل التيارات الإسلامية في كل أقطار العالم.

إن ما يحدث من الغرب في دعم الديكتاتوريات الحاكمة الآن أحدث حالة من الارتداد إلى العنف، وهو ما رأيناه بانضمام الشباب لداعش وأيضاً إفراط الإسلاميين في المراجعات في حالة هزيمتهم الحالية سيحدث حالة ارتداد عنهم، وعن الإسلام عموماً وسيجعل الأرض خصبة أمام تجريف ما تبقى من الهوية العربية والإسلامية.

ورغم أن الزمن تخطى تلك المراجعات وأصبح الآن أمام معطيات ونتائج جديدة فإنهم ما زالوا يريدون أن يلعبوا بذات الخطط التي سمحت لهم الغرب اللعب بها في 2011 ولم يستوعبوها.

إن الإسلاميين أصبحوا أمام واقع جديد، فالثورات المضادة على وشك الانهيار وستستبدل بفوضى عارمة لن يستطيع التصدي لها إلا الإسلاميون، فهل سيستعين بهم الغرب؟ أم سيتركهم يقسمون بلدانهم بأنفسهم في سايكس بيكو الثانية؟ فصراع الإخوة حول الميراث ينتهي دائماً بدعوى قانونية تسمى "دعوى فرز وتجنيب"، ويتبعها فراق اقتصادي حتمي فهل سيكونون جاهزين لتلك المرحلة، بدلاً من دفن رؤوسهم في الرمال تحت مسمى المراجعات؟!!