المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أماني القداح Headshot

ليلة 28 كنت مغفلاً

تم النشر: تم التحديث:

يناير/كانون الثاني 2011، يقتضي عملي كمراسلة النزول للميادين ونقل آراء الناس في قضية معينة، معلوم بالضرورة أن لكل قناة ولكل برنامج قواعد حاكمة أو "سياسة تحريرية"، و في التوك شو الرئيسي للتلفزيون المصري -حيث كنت أعمل وقتها- كانت سياستنا تقتضي حذف الآراء المعارضة للحكومة من التقارير، ممنوع عرض أي سباب على الشاشة، حذف اللقطات التي تحتوي ملتحيا أو من يحمل في وجهه علامات تدل على كونه "سوابق" كضربة مطواة في وجهه مثلا، لا يتم التصوير مع أي منقبة.

قبل الثورة بأيام قلائل، قمت بتصوير تقرير مع أحد قيادات حزب الوفد الذي كان يعارض المشاركة في برلمان 2010، اعتراضاً على نتيجة الانتخابات التي قضت بأغلبية ساحقة للحزب الوطني، كان الهدف المعلن من التصوير -أو الذي كنت أعرفه- نقل آراء القيادات وحقيقة الانقسامات داخل الوفد بين القيادات الرافضة للمشاركة وبين نواب الوفد المعارضين لقرار رفض المشاركة، تبين لي بعد ذلك أن هناك زميلة أخرى تقوم بالتصوير مع بعض نواب الوفد وسيتم تجميع المادتين "تقريري وتقرير الزميلة" وإخراج التقرير بصورة تبين أن الحزب الوطني نجح باستحقاق؛ لأنه متماسك، في حين أن المعارضة منقسمة على نفسها، ولا يوجد تزوير.

صورت بعض لقطات لاجتماع الوفد الذي أدان فيه تدخل سلطة مبارك في الانتخابات، أعطيت رئيس التحرير المادة المصورة وأبلغته أنني وفق السياسة التحريرية لن أستطيع عمل ولو تقرير مدته دقيقة واحدة بدون إظهار تلك التنديدات والانتقادات للحكومة، فقال لي "يبقى انقليه كله على CD" ثم تراجع قائلا "لا لا انتي مش هتعرفي خليكي".. لم أفهم، ولم يشرح.

27 يناير 2011 كانت مهمتي هي التصوير عند نقابة المهن التمثيلية بالهرم لتصوير الوقفة الاحتجاجية للممثلين، قبل بداية التصوير أجريت اتصالاً برئيسي المباشر وأخبرته أن الوقفة عبارة عن سباب مباشر لرئيس الجمهورية، فهل سيسمح بإذاعة ذلك أم نعود أدراجنا، بدلاً من بذل مجهود في التصوير ويمنع التقرير من البث كالمعتاد، أجابني "لا يا أماني خلاص إحنا بقينا في عصر حريات صوري كل حاجة وخلي الناس تتكلم براحتها"، لن أنكر سذاجتي حين أقول إنني صدقته، بل وفرحت فرحاً شديداً بالتحول المفاجئ في سياسة البرنامج التحريرية، تحمست وطلبت من أكثر من ممثل من الموجودين التصوير ورفض أغلبهم، معذورون طبعاً، فالبرنامج الذي أحمل مايكروفونه قد أعلن مذيعوه بشكل واضح موقفاً معادياً للحراك الذي بدأ قبل يومين، لم ألح في طلب التصوير من أي منهم، خاصة أنني قد صورت مع عدد يمكِّنني من عمل تقرير جيد في المساء، عدت إلى ماسبيرو لأقوم بمونتاج التقرير، المعتاد و-المنطقي- أنني أقوم بكتابة أسماء الأشخاص الذين سيظهرون على الشاشة فقط، إلا أن مدير التحرير حضر بنفسه ليشاهد التقرير قبل إنهاء المونتاج، ودار بينه وبين رئيسي المباشر في وجودي ووجود المونتير ما يلي:
- ياااااااه إيه الألفاظ دي؟ الناس اتجرأت أوي
بس دول مش مشهورين يا أماني، هو مكانش فيه ممثلين مشهورين؟ إيه دا ما هم واقفين أهو أومال ماخليتهمش يتكلموا ليه؟
أجبت عليه أن معظم الموجودين رفضوا التصوير بمجرد معرفتهم أنني تابعة للتوك شو الرئيسي في التلفزيون المصري، وأن من قمت بالتصوير معهم هم ممثلون شباب ولكنهم معروفين للعامة أيضاً، أجابني مدير التحرير: لا هاتي ورقة وقلم واكتبي لي أسماء الناس اللي رفضوا التصوير، استوقفني طلبه، أجبته أنني لا أحفظ أسماء من رفضوا التصوير وتحججت بأنني لا أتابع المسلسلات والأفلام لانشغالي في العمل، حينها صرخ فيّ مدير التحرير للمرة الأولى منذ عملت بالبرنامج "انتي مش قلتي إن فيه ناس رفضت وقلتي كمان اسم "ن.ع" رفضت عشان اسمنا، أسعفني لساني وقتها بالرد أنها رفضت الظهور لأنها خرجت للتو من عملية جراحية خلفت جحوظا بعينيها، ما جعلها تخاف من صورتها أمام الجمهور، أما باقي من رفضوا فسأحاول تذكرهم، تدخل رئيسي وقتها مهدئاً مدير التحرير ومدافعاً عني "أظن ذلك" بأنني قد لا أعرف الأسماء فعلا وأن الممثلة المذكورة بالفعل هناك مشكلة ظاهرة في عينها في اللقطات العامة، حينها وجه مدير التحرير كلامه للمونتير "انقل لي يابني الماتيريال دي على CD وانتي لو افتكرتي أي اسم معاكي ورقة وقلم اكتبيه".

خرج مدير التحرير ورئيس القسم، دخل أحد زملائي إلى الغرفة وكان قد سمع جزءا من الحوار بسبب ارتفاع الصوت، حكيت له ماحدث كاملاً، وسألته لماذا يريد الأسماء مكتوبة؟ ولماذا هذه المادة تحديدا التي يريدها بشكل خاص على أقراص خارجية؟ أجابني زميلي: انتي عارفة إنه هياخد الماتيريال ويطلع بيها عالأمن ولو كتبتي أسماء ناس فانتي بتكتبي قايمة للأمن، انتي كده هتكوني مرشدة لأمن الدولة مش مراسلة صحفية.

غادر زميلي الغرفة، طلبت من المونتير أن يحذف ما يستطيع من المادة المصورة ويحذف السباب وتركت الورقة خاوية، وغادرت المبنى بلا عودة.

لن أسرد تفاصيل إحباطي وصدمتي، فكل ما درسناه عن نقل الحقيقة وحرية الإعلام والشفافية وغيرها كان مجرد وهم لا وجود له، لكن أن أتحول من إعلامي إلى مخبر لصالح نظام حاكم فهذا أبعد وأحقر بكثير مما تخيلت، حتى في اللحظة الراهنة أي شاشة هي مخبر للأجهزة الأمنية.

المعضلة التي أواجهها، إذا كنت أمتلك كاميرا ومايكروفون، هل علي أن أنقل صوت المظلوم أم أتجاهله كي لا أضره؟ لم أتوصل إلى إجابة للسؤال حتى اللحظة.

اختلفت "السياسة التحريرية" الخاصة بالتظاهرات في ماسبيرو بعد انتهاء الثمانية عشر يوماً وأثناءها، يمكنك تصوير أي سباب وستتم إذاعته، البلطجية المعلوم أنهم بلطجية هم نجوم تقريرك، سألت أحد زملائي ما الذي جد أجابني أنها سياسة حتى يظهر أن كل من بالميدان هما بلطجية ومأجورون.

في الإعلام، لا توجد ثورة، هناك دائما سقف موضوع لا يمكنك تخطيه، هذا السقف لن يزول أبداً، قد تختلف ارتفاعاته، ولكن في النهاية لن يسمح الممول أن تؤذي مصالحه بأمواله.

إلى الآن هذه هي السياسة التي يتم العمل بها في كل وسائل الإعلام، يتهم الجمهور دائما المذيع أنه صاحب الدور الرئيسي ويتناسى أن فريق التحرير له دور أيضاً إن لم يكن كل الدور له، لا أنفي التهمة عن المذيعين طبعاً ولكن من فضلكم أظهروا بعض الاحترام لمن يعملون في الخفاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.