المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أماني بوزيد Headshot

الظلم وقود للإرهاب

تم النشر: تم التحديث:

كان غير بعيد عنّي، يتباحث وأخي الإمكانيّات المتاحة لإقناع الدولة بأنهما يستحقّان إتمام مرحلة الماجستير في جامعاتها المصونة.

لم أقصد أن أسمع إلى حديثهما، ولكن فترة انتظاري لأخي قد طالت، ما أتاح لي فرصة الاستماع إلى بطل عالميّ في رياضة الكاراتيه يصف البطالة والنكران وتفنّن الدولة في قتل كلّ أمل قد ينبت في هذه الصحراء.

فكّرت في أخي، أستاذ الرياضة والعضو السابق في الفريق الوطني للكاراتيه صاحب الميداليات المدفونة في أحد الأدراج في منزلنا.

تذكّرت صديقه الذي هاجر ليدرّب القوات الأمنيّة القطريّة بعد أن سُدّت في وجهه هنا كلّ السبل.

تذكّرت كلّ من عرفتهم من مهندسين ومهندسات، ممّن يُشهد بذكائهم وإبداعهم.. تذكّرت الشعراء والأدباء الذين أمعنت الدولة في تهميش مواهبهم.

تذكّرت بعض أساتذتي وأحلام الاختراعات في جامعاتنا التي كانت تُدفن في كلّ مرّة إمّا لعجز الموارد المالية الذاتيّة أو خوفاً من ردّة فعل الدولة إذا ما اكتشفت أنّنا بصدد اقتراف الحُلم.. فنحن نعرف جيّداً مصير مَن سيقنا ومصير مَن حاولوا بعدنا، سواء الذين حُبسوا بتهمة "الإفراط في التفكير" أو الذين حُجزتْ اختراعاتهم واعتُبرت دليلاً على نيّة صاحبها في دعم جماعاتٍ مسلّحة.. حتى وإن لم يكن الاختراع سلاحاً.

إنّ لنا هنا، فيما يعرف بالعالم الإسلامي، بالفعل تجاه النظام الرأسمالي/العلماني موقفَ رفضٍ ضارباً في العقيدة، لكونه كفكرة عامّة وما أُنتج على أساسها من علاجات يتعارضُ مع وجهة نظرنا في الحياة، وإنّنا نؤمن عامّة أنّ هذه الحضارة لم تستطع حقّا أن تنهض بالإنسان، بل على العكس.

ولكن كان هذا الموقف ليكون أكثر عقلانيّة، إن شئنا، لو كنّا نعيش في النصف الآخر من الكوكب، النصف الذي أصدر العلمانيّة وروّجها، أو كما يطلق عليها: الدول أمّهات الديمقراطيات.
كان شبابنا حينها سيجدُ متّسعاً من الرفاه الفكري والمادي ليناقش سلبيّات العلمانية وما أنتجته وإيجابيّاتها دونما تشنّج.. كان سيكون التعامل أسهل مع مصدّري هذا الفكر وحامليه، كان الموقف من النظام الرأسماليّ الذي أفرزته سيكون متّزناً بشكلٍ واضح.

ولكن للأسف، هذا ليس واقعنا، هنا نعيش في النصف الآخر من العالم، النصف المظلم، الذي لم ينتج العلمانية أو الرأسمالية ولم يثُر من أجلها ولكنّها على أيّ حالٍ تطبّق عليه.

لهذا فإنّ هذا النظام العالميّ لا يجدُ حرجاً في معاملتنا معاملة مختلفة تماماً كما يميّز الأب بين معاملته لابنه وللطفل الذي اضطرّ لإيوائه قصد الخدمة والمعونة.

في الحقيقة، لا يمكن للنظام الرأسماليّ أن يواصل تقديم مستوى الرفاه ذاته للقارتين الأوروبية والولايات الأميركية، دون أن يلقي في محرقة محرّكه ملايين الملايين من الضحايا البشرية الذين يغطّون بقية مساحة الأرض.

يبدو العالم كميزان لا تعتدل كفّتاه.
تفرّغ أراضي ما يُعرف بالعالم الثالث من ثرواتها الطبيعيّة؛ لتشتغل المحرّكاتُ فيما يُعرف بالدول المتقدّمة، تهمّش الثروات والعقول البشرية هاهنا، لتهجّر قسراً أو طوعاً لتنمية صناعاتهم وإداراتهم، تقزّم العقول هاهنا وتُغتال أو تُقمع؛ لتبقى الريادة والقيادة لدولٍ دون غيرها ولقيادة فكريّة دون غيرها، بل إنّنا ونحنُ المسلمون، لا يمكن أن نشرع في البحث عن بديلٍ تشريعي في الإسلام وفي تجديد النظرة إليه دون أن نُتّهَم بالإرهاب وبالدعوة للكراهيّة في أحسن الأحوال.

حقّ البحث الفكري وتأسيس الحضارات بقي لعقود عديدة غير مكفولٍ لغير "العالم المتقدّم" حيث "لا أريكم إلّا ما أرى" وحيثُ لا يمكن أن تنقذ العلمانية أو الرأسمالية أو الديمقراطيّة دون أن تلاحقك أحكام السجن والنفي، من العامّة كُنت أو من السياسيّين .

وأيضا رغم أنّنا أمّة أفتكّت أرضها ومقدّساتها ووُهبت قسراً لصهاينة ادّعوا الملكيّة لها، فإنّنا إلى اليوم نُتّهم بالإرهاب إذا ما حاولنا استرداد حقّنا.

مائة عام أو أكثر، منذ الحرب العالميّة الأولى أو قبل ذلك بسنوات، والأمّة الإسلاميّة وغيرها من شعوب ما سمّي بالعالم الثالث، تعاني صنوفاً مختلفة من الاستعمار والاستغلال والاضطهاد.

مائة عامٍ أو أكثر من القمع، تبدو بعدها ردود الأفعال المتشنّجة والمواقف غير المتّزنة من فئة شبابيّة في الأمّة الإسلامية، مفهومة وطبيعيّة إلى حدّ بعيدٍ، وفي نفس الإطار، تعتبر بعضُ مظاهر الانفلات الفكري والسلوكي التي شهدته مناطق الثورات، أمراً مفهوماً.

الانتصار الأعمى للإسلام، الشدّة وبعضُ الهمجيّة في اتخاذ المواقف، الارتماء في أحضان كلّ من هبّ ودبّ من مدّعي العلم والدعاة وغيره من المظاهر، كانت لتكون ظاهرة عابرة ومرحليّة إلى حدّ بعيد لو وجد هذا الشباب اعترافاً دوليّاً بإثم الجرائم التي مورست عليهم ولو منُح هذا الشباب الحقّ في دراسة دينه والتناظُر والتباحث حوله، دون أن يكون تحت ضغط الاتّهام العالميّ بالخروج عن بيت الطاعة العلمانيّ.

كانت لتكون محاولات استقطاب هذا الشباب من قبل جماعاتٍ إجراميّة مخابراتيّة أقلّ نجاعة وعمقا.
وهذا يبدو حتميّاً لسبب بسيط، إنّه ورغم انعدام كلّ الذي دُكر، فإنّ صوت التسامُح في الإسلام ومعتنقيه كان دائماً يغلبُ صوت الانتقام ومجاراة الظُلم بالظلم.

لأنّه ورغم سنواتٍ الظلم الطويلة، فإنّ مواطني الدول الجائرة الذين يقصدوننا قصد السياحة أو الدراسة كانوا يعيشون في بلدان المسلمين في أمان دائماً. ورغم سنواتٍ الظلم الطويلة، فإنّ المسلمين كانوا أوّل من يرفض الإجرام والعنف وإيذاء الآخرين وإن كان الظالمُ مسلماً وهم أوّل من يتبرّأ من الجماعات المنفردة التي تُجرم تحت مظلّة الإسلام.

ولم يشهد تاريخ المسلمين أنّنا في بلد ما، قد خَرج فينا قائد أو فئة قائدة تطالب بإبادة البشرية أو الخوض في التقتيل قصد حماية المسلمين.

في المقابل، لم يصدم العالم من تصريح تيريزا ماي منذ أسبوع، وهي رئيسة الوزراء البريطانيّة وهي تعلن نيّتها في تمزيق قانون حقوق الإنسان من أجل حماية البريطانيّين، بعد مقتل بضعة أفرادٍ من شعبها.. لا يبلغون الواحد في المائة من قتلى المسلمين في العراق إبّان الغزو الأميركي لـ"تطبيق الديمقراطية".

كما لم يُصدم العالم من تصريحها منذ بضعة أشهر حول نيّتها استعمال السلاح النووي لحماية بلدها ولا من تصريح نظيرها الأميركي ترامب الذي يُعلن عداءه الصارخ لأكثر من مليار ونصفٍ من البشر من أجل تجاوزاتٍ فرديّة، لا زال اللثام لم يسقط عن الأيدي التي تحرّكها.

رغم أننا كمسلمين نراهن على الثقافة الإسلاميّة المركّزة وقدرتها على مقاومة كلّ الاضطراب المورّث الذي نشهد بعض ملامحه، وقدرتها على تحويل بوصلة القضيّة وإخراجها من البعد الشخصي والحسابات الشخصيّة لمظلوم يريد ثأراً إلى مُستخلف في الأرض، غايته أن يضع حدّاً للظُلم، لا أن يثأر لنفسه.

إلّا أنّه لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال التهاون في استنكار الظلم والقمع المركّب الذي تعانيه شعوب العالم الرازحة تحت ظلم الرأسماليّة لعمق مساهمته في تغذية الإرهاب، كما لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال التهاون في تجريم دعواتِ الكراهيّة والعُنف التي ترسلها قياداتُ الدول العالميّة، لما فيها من استفزازٍ مجّانيّ لشبابٍ مضطهد وإنكارٍ لتاريخ الضحيّة ومعاناتها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.