المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

آمال حاجي  Headshot

المسرحية التي أعادت الجمهور الجزائري إلى المسرح طرشاقة: عندما يحب عود الكبريت ويتسلط

تم النشر: تم التحديث:

لوحة فنية راقية، ساهم في رسم تفاصيلها اثنان وعشرون فناناً من شتى مسارح الجزائر، وقفوا لمدة تسعين دقيقة على خشبة المسرح الوطني محيي الدين بشطرزي، وجسَّدوا أفكار المخرج بتلقائية ومهنية عالية، فتركوا انطباعاً لا يختلف فيه اثنان على أن طرشاقة عرض متكامل بامتياز، كيفَ لا وهي المسرحية التي استطاعت أن تعيد محبي الفن الرابع إلى مقاعد المسرح؟!

فأن تتمكن من إرضاء الجمهور وإضحاكه دون الوقوع في فخ الاستسهال والتهريج ليس بالأمر الهيِّن، ولكن إن توافرَ النص القوي وثلة من الممثلين بقيمة عبد الله جلاب، وشاكر بولمدايس، وحميد عاشوري، وسميرة صحراوي، ومصطفى لعريبي وغيرهم، فإن الجمهور سيشاهد العرض دون ملل.

"طرشاقة"، "زلموط"، "زلاميط"، "طريطقة"، و"عمي العُرف" كلمات مستوحاة من اللهجة الجزائرية، وتعني في مجملها عود الكبريت أو عود الثقاب، وفي الوقت نفسه هي الأسماء التي استعان بها مؤلف ومخرج المسرحية أحمد رازق لرسم ملامح شخصيات مسرحية "طرشاقة".

تندرج المسرحية ضمن الكوميديا الساخرة والميلودراما، فهي تحتوي على مشاهد حزينة ومؤثرة، تدور فصولها في فضاء مفتوح وديكور بسيط تغلب عليه علب الكبريت التي تمثل مساكن أعواد الثقاب، والتي تحمل شعار "اللهم اجعلها مدينة فاضلة ولا تجعلها مدينة شاعلة".

قدم المخرج فكرة بسيطة بطريقة فكاهية هادفة؛ حيث تطرق إلى قصة عيدان ثقاب خاوية المشاعر، إلا أن "طرشاقة" و"زلاميط" خرجا عن الأعراف والقيم الكبريتية، بعد أن أحبَّا بعضهما، ووصل الحد بطرشاقة إلى رفض طلب الزواج الذي تقدم به الحاكم زلموط، ما خلق فوضى في هذا المجتمع، الذي يقر بأن شعبه خاوي الجسد ودون قلب، عكس بني البشر، وهو ما جعلهم يحاربون مرض الحب بعد أن سبب لهم رعباً من انتشار عدواه،

وهنا تتجلى قيم الإنسانية، والحرية في المسرحية؛ حيث نجح أحمد رازق في إقحام رسائل هادفة من خلال إسقاط القصة على الواقع بتشبيه ما يحدث داخل علبة الكبريت على المجتمع، من تسلط الحكام ورغبتهم في السيطرة، كما استطاع التطرق لظواهر اجتماعية واقعية كالانتحار، وانقلاب الرعية على الحاكم، ومطالبتهم بكشف أسباب الانتحار، محمّلين الحاكم مسؤولية ما حدث.

استطاعت "طرشاقة" أن تجمع الكثير من الفنون على الخشبة، فقد شارك في المسرحية ثلاثة مطربين، وأربعة راقصين كوريغرافيين، وتمكن المخرج بلغة بسيطة بعيدة عن اللغة الثالثة التي اعتاد أهل المسرح التعامل بها، من إضحاك الجمهور الحاضر دون ابتذال ما يوحي بقوة النص والانتقاء الجيد للممثلين، وهو ما جعلها تفوز بالجائزة الكبرى كأحسن عرض متكامل في المهرجان الوطني الحادي عشر للمسرح المحترف، وهي الجائزة التي نالها المسرح الوطني الجزائري "محيي الدين بشطرزي" لأوّل مرة منذ تأسيس هذه التظاهرة في 2006.

تجدر الإشارة إلى أنه سبق للكاتب والمخرج المسرحي أحمد رزاق أن قدم عدة أعمال مسرحية، منها مسرحية "هن والرجال قليل" عام 2013، التي اعتمد في اختياره للممثلين المشاركين فيها على التنوع العربي، من خلال منحه أداوراً لممثلين من المغرب وتونس ومصر من أجل إعطاء المسرحية طابعاً عربياً، واستقطاب أكبر عدد من الجمهور؛ حيث شارك في المسرحية كل من الممثلة المغربية ماجدة زبيدة، والتونسية خديجة اليزيدي، والمصرية ناريمان مشعل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.