المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمل علي Headshot

الكعب في وجه المليشيات

تم النشر: تم التحديث:

لأنه لم يعتد سوى صوت البنادق والمدافع وأزيز الطائرات وزوامل وأهازيج الموت والحرب, لم يستطع تقبل صوت خطوات كعب حذائها الغريب عن أذنه
لبسها الغريب عن لبسه التقليدي وملابس مرافقيه ونظرتهم المنمطة للباس المرأة وشكلها, لبسها المناقض لملصقات بنادقهم المنادية بالموت لدول صنعت السيارة الفخمة التي يركبونها
لبسها غير المطابق لمواصفات عاداتهم وتقاليدهم الدخيلة على المجتمع اليمني إلى قبل حين ليس ببعيد, أثار حنقهم وغرائزهم الذكورية التي أعطتهم الحق بإطلاق ما بداخلهم من كلاب مسعورة عليها.
هي لم تعر نباحهم اهتماما, واصلت طريقها وترتيب حجابها الملون ومعطفها الأنيق وصوت كعب حذائها.
هذا التجاهل ونظرات الاحتقار أثارت غضبه, فأمر مرافقيه تعمير بنادقهم بوجهها مستقوين بما عليها من ملصقات صارخة باسم الله البريء منهم, وبالموت للكفار ولا أحد يموت سوى اليمنيين وبذات البنادق.

هي فتاة يمنية تدعى هند.
هند ككثير من اليمنيات اللاتي قررن كسر حاجز الخوف من أمثاله المستقوين بقوة السلاح والقبيلة والتقسيمات الطبقية للمجتمع اليمني التي حددها مثل هؤلاء, وبعض عادات وتقاليد لا تسمن ولا تغني سوى اعتقاداتهم المتوارثة.

ليست هي المرة الأولى التي تشهد فيها إحدى الشوارع اليمنية حادثة من هذا النوع, أن تضطر فتاة إلى خلع حذائها والتلويح به في وجه شيخ قبلي أو ميلشياوي مترجل من سيارته الفخمة مع مرافقيه المسلحين, لتدافع عن حقها بارتداء ما ترغب, وليس كما تحدده عادات وتقاليد دخيلة على المجتمع اليمني، كأخلاق من يدافعون عنها بهذه الطريقة الفظة.
أن يعترض أحدهم بسيارته المونيكا طريق إحداهن ويأمر مرافقيه بتعمير بنادقهم بوجهها, فيأمروها أن تلتزم باللباس التقليدي الأسود الطويل, ومحذرينها من أن تتجرأ على كسر هذا التقليد بألوان أو أشكال أخرى لا تتناسب مع فكره الضيق غير القابل لتقبل ما يختلف عنه وما يثير غريزة النباح لديه.

هند كان حظها جيدا أن الأمر معها اقتصر على تعمير بندقية وبعض عواء مليء بكلماتِ قدحٍ وقذفٍ وتهديدٍ ووعيد، فقد كانت حكيمة واكتفت بنظراتِ احتقار, وواصلت طريقها في وجه عوائهم بصوت كعب حذائها.

مثل هذه الحوادث التي اعتادتها شوارع اليمن خاصةً صنعاء لطبيعتها القبلية وكونها مركز جامع لمختلف الشرائح المجتمعية من كل المحافظات، ليست وليدة الفترة الراهنة، والكعب لم يواجه مليشيا الحوثي وحدها، فاليمن تعيش زمن المليشيات منذ فترة طويلة رغم اختلاف مسمياتها وأغطيتها المجتمعية، إلا أنها تبقى بالأخير كياناً مسلحاً خارج إطار الدولة، ما يصبغ عليها بطبيعة الحال صفة المليشيا.
غياب الدولة وهشاشتها لفترة طويلة من الزمن، أوجد هامشاً ضل يغذي سلوكيات خاطئة رسمت صورة نمطية سائدة عززها صمت وتماهي مجتمعي وحولها إلى عادات وتقاليد تتوارث
هذا الهامش وتوسعه من الأطراف للمركز واستغلال الخطاب الديني والقبلي، سمح لأشخاص بتنصيب أنفسهم بدلا عن الدولة والقانون محاولين تطبيع الآخرين حسب ثقافتهم الخاصة وعقد الاضطهاد التي يعانون منها، مقدمين أنفسهم أصحاب الحق باسم الدين والقبيلة وقوة الجماعة والسلاح والمال، ممارسين ذلك على الفئات الأكثر ضعفا كالنساء اللاتي يعتبرن الشريحة الأضعف في مجتمع كالمجتمع اليمني الذي يحاول منذ قرن الانتقال من مرحلة القبلية إلى المدنية.
وكلما ضعفت الدولة والقانون وتنامى الفساد والمفسدون اتسعت دائرة العنف والسباق على السيطرة والقوة، وهؤلاء يعتقدون أن أي تصرف مخالف لمحدداتهم بمثابة تحد لوجودهم.
ويبقى الحل في وجود الدولة، وتفعيل القانون الذي يُصنف هذه الممارسات جرائم تحرش وتعد صارخ للحريات العامة والخاصة، وكحادثة هند جريمة شروع بالقتل مكتملة الأركان.
إلى جانب ذلك كسر دائرة الصمت والتماهي المجتمعي، واستمرار المقاومة، فالحقوق لا توهب وإنما تنتزع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.