المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الزهراء محمد عبدالله Headshot

كم أصبح عمري الآن؟

تم النشر: تم التحديث:

من منا لم تعصف به الأحزان وعاش بعض الأيام وربما السنين في غياهب الجُبِ؟! نحاول أسر ما بداخلنا ولا نبوح به إلا أن وجوهنا تأبى الكتمان؛ لتفضحنا بعض العَبَرات التي تسقط من عيوننا في بعض الأحيان.

كم صار عمري الحقيقي الآن؟.. سؤال ألحَّ عليَّ كثيراً ولم أستطِع الإجابة عنه حتى هذا الوقت، أهذا ربيع عمري أم أنني في وسط الشتاء؟! أتذكر أن عيد ميلادي لم يمر عليه سوى شهرين تقريباً ربما كانت بداية دخولي في الخريف، أهناك ربيع للعمر حقاً أم أنه بعض افتراء؟!

"اسكت يا حبيبي ما بقاش فيّا نَفَس" استيقظت من شرودي على صوت تلك المرأة التي تجلس بجواري في الحافلة وتحمل طفلها الصغير الذي يتحرك كثيراً، فقد تعب من طول الرحلة، حتى هي علامات الحزن كسرت جمالها، وحفرت بعض الندوب على وجهها.

ما الذي حدث لنا؟! لماذا رُسمت خريطة حياتنا رغماً عنا على تقاسيم وجوهنا؟ لماذا كل الوجوه متعبة؟ لماذا كل الوجوه تعيسه؟ أم أنني صرت أتوهم ذلك وأرى الناس بعيني الحزينة؟!

جميعنا على نفس تلك الرحلة، ولكن لكل منا اتجاهه الذي سيسلكه في النهاية، كم أود النزول الآن لأعود إلى بداية الرحلة حتى أستعدَّ جيداً وأحزم بعض الصبر بداخلي.

الحافلة أصبحت مكتظة بالبشر، تحمل فوق طاقتها كقلوب كثير منا ولا يوجد متسع للمزيد، تتأرجح بنا تارة يميناً وتارة أخرى يساراً كأن الحياة تلهو بنا وتعبث، ولا تعلن الاستسلام فينادي السائق على الواقفين بالصعود: "مترو.. مترو"؛ ليعلن عن رحلة أخرى قد يسلكها الكثير منا.

عُدت إلى شرودي مرة أخرى لأعود إلى يوم كنت فيه طفلة تمنيت أن أصبح كبيرة وقتها، كنت أعتقد أن الحياة وردية أكثر، كنت أرى الغربة ليس لها وجود، وأن الحزن ضربٌ من الخيال، كم كنت ساذجة حقاً، آه لو كنت أعرف الوجه الحقيقي للحياة!

كاذب من يقول إن الأيام تُنسينا ما بداخلنا كأنه يسخر منا ويضحك، كاذب من يدعي أن المشاغل تُلهينا لتخطف الأحزان التي بداخلنا وترحل.

الأيام ستمضي ولكن الجروح ستبقى فينا، تلك الخدوش التي في قلوبنا سنتعايش معها لتصبح جزءاً منا، ولو للحظة لنكن صادقين مع أنفسنا حتى نرتاح قليلاً من عد الأيام وحساب السنين، ونظلمها بأنها لم تُنسِنا، لنحضن مآسينا ولنداوِها برفق، فلنرحم أنفسنا ونعلن أن الاستسلام لن يضر لعلنا نرتاح قليلاً.

"شكلها هتمطر يا ماما" أيقظني هذا الصغير بصوته المرح مرة أخرى من شرودي لأنظر بعدها إلى السماء كأنني لم أنظر لها من قبل طوال هذه الرحلة، تلك الغيوم الملبّدة في السماء، التي أعلنت عن قرب هطول المطر ستمر، نعم ستمر تلك الغيوم، ولكنها قد لا تمر بسلام، سنلهو تحت المطر كيوم كنا فيه أطفالاً، ولكن بعدها نعود للواقع؛ حيث ستصبح الشوارع موحلة بالطين، ها قد اقتربت الحافلة من آخر محطة لها؛ لتعلن انتهاء رحلتها، لنكمل طريقنا وحدنا، الكل سيمضي وأنت فقط مَن عليه إكمال المسير، حتى وإن كنت تشعر بالغربة بينهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.