المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

اليزيد ڨنيفي Headshot

سيادة المذيع المحترم

تم النشر: تم التحديث:

لم تعد شاشة التلفزيون تثير اهتمام المشاهدين كما كانت من قبل؛ لأن جُل الإعلاميين المسيطرين على برامج الذروة في الفضائيات العربية تحولوا إلى سياسيين وملكيين، يدافعون عن الخطأ والكارثة، ويكرسون سلطة الأمر الواقع، يمدحون آراءهم ومن يوالونهم ويحالفونهم، ويشتمون ويسخرون من الرأي المخالف ولو كان عين الصواب والحكمة والصورة الحقيقية للواقع.

أصبحت بعض الوجوه مملة حد القرف بما وصلت إليه من إسفاف وصلف ورداءة وعصبية زائدة عن اللزوم.. لغة الخطاب انحدرت إلى مستويات الجنون والحمق والصبيانية في كثير من الأحيان، ما جعل المشاهد يفر بجلده إلى برامج هادئة؛ كي يُوفر قليلاً من السكر في جسمه ويربح قليلاً من الراحة العقلية وإلا تكدرت حياته أكثر مما هي عليه جراء متاعب الحياة ولقمة العيش.

أضحى المواطن البسيط أوعى من أغلى مذيع؛ لأن المواطن يحلل الواقع بناء على تجربته وحاله ومعايشاته اليومية، أما سيادة المذيع 5 نجوم، فهو في نعيم الفضائية لا يدري ما يحدث حوله؛ بل لا يكلف نفسه حتى مجرد النزول للشارع ورؤية أحوال الناس ومعاناتهم ومكابداتهم، ولو قُدر لحضرة المذيع أن تطأ قدماه العشوائيات وأماكن الفقر والعوز والغبن والمجاعة لرجع صامتاً باهتاً، وانقلب خاسئاً وحسيراً.

أصل المشكلة أن بعض المذيعين ممن يَحْيَون حياة الرخاء والبذخ كالسلاطين يعيشون خارج الزمن والحياة، جلهم مكلَّف مهمة إرضاء المدير والوزير ومالك المحطة؛ يعني خادم أجندات ومصالح ولا يهمه شأن الناس؛ فرحوا أم حزنوا، سكنوا أم باتوا في العراء، أكلوا أم باتوا على الطوى.

أصل المعضلة، أن المذيع المحترم من كوكب آخر، ينزل على البرنامج لتلاوة قرارات وقناعات وتصورات ورأي المسؤولين إلى المواطنين وليس العكس. من حق المواطن ألا يثق بخطابات المذيعين؛ لأنّه ألِف الأكاذيب والتلفيقات والكلام المعسول البعيد عن الواقع، وأضحى ملكاً أكثر من الملك نفسه.

صورة المشكلة أيضاً، هي السذاجة الزائدة، وادعاء الفهم، واحتكار الحقيقة لدى الكثير من معدّي البرامج المباشرة وغير المباشرة. سذاجة سيادة المذيع الكبير تكمن في تجاهله الواقع، في عدم فهمه أو تعمّد عدم فهمه، أو محاولة تزيينه وتزييفه وإظهار واقع آخر جميل وملون ومخادع.

لا ندري، إلى أي حد يتواصل هذا السقوط لجل من يتصدرون واجهات الشاشة وأوقات الذروة! وهل بقيتْ مصداقيةٌ اليوم بعدما فر المشاهدون إلى مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي وتركوا أو تجاهلوا عمنا المذيع يرغي ويزبد ويفرفش ويسخر وحده؟ هل هو العقاب العادل لكل صحفي تنكر لمهنته وقناعاته وفضّل مصالحه الشخصية ومركزه المهني على المهنية والاحترافية وصوت ومعاناة المواطن وصورة الواقع التعيس؟!

إنّ نجاح أي مذيع في مصداقيته لدى مشاهديه ولو على راتبه ومنصبه، ومتى ترسخت القناعة بأن الإعلام هو السلطة التي يلجأ إليها "الغلبان" لإيصال صوته ومعاناته لصاحب القرار، متى ترسخت هاته القناعة، نجح المذيع وحقق سلطته الرابعة المراقِبة للشأن العام، والعين الفاحصة لكل العيوب والإخفاقات والسخط الاجتماعي والرداءة السياسية المتفشية، وتلك المهمة السهلة الممتنعة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.