المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

اليزيد ڨنيفي Headshot

الجزائر.. ما معنى الترحم على المناضل الثوري حسين آيت أحمد؟

تم النشر: تم التحديث:

اليوم الساسة في الجزائر يتباكون ويذرفون على الزعيم الثوري حسين آيت أحمد دموعاً حارة.. دموع العزاء المُرّ.. لكن هل هذه الدموع تنم عن توبة سياسية حقيقية وتراجع عن الأخطاء والكوارث التي حلت بالبلاد، أم هي مجرد خرجة تمثيلية لواجب بروتوكولي تلفزيوني، وأوامر فوقية ونفاق سياسي لا يصورالحقيقة.. ثم ترجع حليمة إلى عادتها القديمة.

الحقيقة أنّ جُل منْ هُمْ في السلطة اليوم يعملون عكس أفكار وآراء ومواقف المناضل المرحوم "آيت أحمد"، الكثير منهم لا يؤمن بالديمقراطية الحقيقية والولاء للإرادة الشعبية وحكم القانون والصندوق الانتخابي الحر والشفاف والنزيه.. العديد منهم لا يؤمن بحقوق الإنسان وبالحريات الفردية والجماعية وحرية الرأي والكلمة والموقف.. وحرية إنشاء الجمعيات والأحزاب والصحف والقنوات.. ومنهم من لا يؤمن بالدولة المدنية الحقيقية المبنية على كرامة المواطن وسلطته وتكافؤ الفرص وسمو القانون وسلطة العدالة وتطبيقها بصرامة على الناس كافة.. الكبير والصغير.. المواطن والمسؤول.. الوزير والفقير.. بل منهم من يؤمن ويعتقد حتى النخاع بعدالة "التلفون" والمحسوبية والعائلية والولاء للأشخاص والعُصب والمال.. ومنهم من يؤمن بولائه فقط لمن عينه وسيقيله يوما ما.. وأنّ الإرادة والسيادة الشعبية هي كلمات للترفيه والواجهة و"التزويق" الداخلي والخارجي فقط.. وليست قناعة راسخة.

الحقيقة المُرّة الثانية هو أنّ من يتباكي على فقدان الرمز حسين آيت أحمد.. كان بالأمس القريب مُخوناً له متنكراً لأفكاره ونصائحه وآرائه وتحذيراته.. ومنهم من نزع عنه الوطنية ووصفه بالمخرب والمارق عن الدولة.. ومنهم من يواصل محاربته اليوم في صورة من يحمل أفكاره وينافح عنها من المناضلين المخلصين والسياسيين الفاعلين.. فكم من المناضلين اليوم الذين يعانون التضييق والتحرش من أجل أفكارهم وآرائهم المخالفة للسلطة.. لننظر مثلا كيف تُعامل المعارضة اليوم بالمنع والقمع الممنهج والمنظم.. لكي لا يُسمع صوتها ولا يصل رأيها إلى الناس.. وكم من الصحف التي أُغلقتْ وبعضها تعاني التشديد والحرمان من الإشهار العمومي.. وكم من التجاوزات في حق القنوات الفتية الخاصة.. وكيف تُعَامل بمكيالين الموالية للسلطة والمستقلة عنها.. ولننظر كيف يُتَعامل مع الناشطين الحقوقيين والنقابيين الأحرار، وكيف يُلاحقون في عملهم ومعيشتهم.. ولننظر أيضاً إلى التلفزيون العمومي والقنوات الإذاعية المحلية التي تحولت إلى ملكية لأصحاب السلطة والعائلات المتكتلة الوطنية والمحلية.. إذْ لا مجال فيها للرأي المخالف والمناقض لرأي السلطة.. مع أنّها ملك للشعب وميزانيتها من أموال الشعب والخزينة العمومية.

هل بهذه الممارسات يمكن الترحم على حسين آيت أحمد؟ هل الترحم يعني الدموع والألم وحضور الجنازة وإقامة التأبينات والثناء على مناقب المرحوم فقط.. أم يعني التوبة النصوح والإقلاع النهائي عن إهانة الدولة والشعب والتاريخ والحاضر والمستقبل.. والرجوع عن الانحرافات القديمة والجديدة.. هل الترحم يعني مواصلة نهج الديمقراطية الشكلية كواجهة للخارج؟ هل الترحم لا يعني الكف عن نهب المال العام وسلخ جيوب المواطنين وتخريب الاقتصاد الوطني وفتح المؤسسات العمومية للثعالب الوطنية والماكر الأجنبي بلا قوانين واضحة تحفظ حق الدولة والمجتمع والملكية العمومية.

إنّ الترحم على هذا الرجل لا يتم بالوقوف أمام الكاميرات والتقاط الصور وإمضاء سجل التعازي، بل تتم بالتوبة النصوح وبصفة نهائية عن إهانة الوطن ورجاله ونخبته.. وتتم أيضا بالرجوع إلى إرادة الشعب السيدة لإقرار ديمقراطية حقيقة عادلة ومنصفة وانتخابات حرة ونزيهة وشفافة لاختيار الرجال الأكفاء النزهاء الجديرين بالمسؤولية والأمانة والثقة. إن الترحم على هذا الرجل يكون بإرجاع الحقوق ورفع المظالم والتعسفات، وإقرار الواجبات على الموطنيين والمسؤولين كافة، وإعلاء سلطة القانون والعدالة والإنصاف، وبهذا يكون للترحم معنى وهدف سامي هو الدفاع عن الأفكار الجيدة والمفيدة للوطن ولا يهم من قائلها.. وبهذا تكون الاستفادة من المناضلين الثوريين وإعطائهم المكانة اللائقة بهم وليس بالتماثيل فقط والكلام المعسول والتباكي والترحم الكاذب.
رحم الله الفقيد آيت أحمد وجعل يوم رحيله نقطة تحول وعبرة للجزائريين جميعاً لإصلاح الأوضاع.. ومداواة أمراض الوطن وعلله القديمة والجديدة..
"إنا لله وإنا إليه راجعون"..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.