المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

اليزيد ڨنيفي Headshot

الجزائر.. الرسالة اللغز!

تم النشر: تم التحديث:

عاد النقاش في الجزائر مجدداً وبقوة عن صحة الرئيس بوتفليقة وحقيقة أدائه لمهامه الدستورية والقانونية.. على خلفية رسالة 19 شخصية وطنية وحزبية، التي راسلت الرئيس وطالبته باللقاء بعدما شككت في القرارات الأخيرة المنسوبة إليه.. حين قالت إن ما صَدَرَ عن الرئاسة من تغييرات مهمة في أجهزة الدولة الحساسة والسيادية.. وكذا بعض القرارات الاقتصادية المتعلقة بالاقتصاد والاستثمار.. هي قرارات لا تحمل بصمة الرئيس بوتفليقة ولا تشبه توجهاته ولا أفكاره وهي ربما صادرة عن محيطه، ما يطرح التساؤل الكبير حول من يحكم باسم الرئيس.

وجددت امرأة مقربة من الرئيس أنّ ما ورد من تعيينات وقرارات رئاسية يستحيل أن يوافق عليها بوتفليقة بحكم معرفتها الدقيقة بالرئيس وعملها معه كوزيرة للثقافة لمدة 10 سنوات، وتعرف عن قرب كيف يتصرف الرئيس وكيف يدير الملفات وبأي طريقة يصدر القرارات وأي توقيت يختار لتلك القرارات.

الغريب والمثير أن متزعم المبادرة وصانعها والواقف وراءها بقوة هو "حزب العمال" التروسكي الذي تتزعمه "لويزة حنون"، التي كانت بالأمس القريب مقربة من الرئيس وتدافع عنه أمام المعارضة وقبل شهر فقط كانت تقول إن بوتفليقة سيد قراراته وهو يعمل وفق صلاحياته التي يخولها له الدستور والقانون.. ومعلوم عن هذه السيدة تقلبها في المواقف وقدرتها على القفز فوق الحبال، من موقف لمناقضه، كلما أحست بالعزلة والجمود وعدم القدرة على مواكبة الوضع المتقلب، فهي كرئيسة حزب معارض قديم اتسمت في السنوات الأخيرة بالمواقف المتقلبة والعشوائية.

وأغرب موقف هو معارضة المعارضة، عوض معارضة السلطة.. تارة تتهمها بالتخوين وتارة تنعتها بعرابة التدخل الأجنبي ما أفقدها توازنها.. فهي لا في السلطة ولا في المعارضة.. ومن أشد مواقفها غرابة هو دعمها لبوتفليقة في انتخابات الرئاسة، مع أنّها منافسة له، وهي من أغرب السلوكيات السياسية في العالم العربي والجزائر بالخصوص .

أزمة الرئاسة والسلطة في الجزائر المتفاقمة يوماً بعد ليست فقط في أزمة الرئيس ومعاناته مع المرض وعدم قدرته على المتابعة.. وليس فقط توحد المعارضة وتكتلها بكل أطيافها الإسلامية والعلمانية والوطنية.. ولكن الأزمة والمعضلة تكمن أيضاً في من يدافعون عن الرئيس، ويتكلمون باسمه، إذ غالباً ما يورطوا الرئاسة ويورطوا أنفسهم في مواقف غاية في الحرج والإرباك والشك.. بتصريحات غريبة ومتناقضة تنافي المنطق والحقيقة والواقع.. وعلى رأس هؤلاء من يتكلمون باسم الرئاسة، يوجد رئيس الحكومة الذي يدلي بتصريحات تثير الرأي العام وتبعث الشكوك أكثر مما تهدأ الوضع وتمسح الغبار والريبة والشك المتفاقم .

أزمة الرئاسة أيضاً تكمن في زعيم حزب الرئيس "عمار سعداني" الذي عوض أن يستعمل المؤسسات كالبرلمان والحكومة التي بحوزته لخدمة البلد وتطبيق برنامج الرئيس تراه يخبط خبط عشواء.. تخويناً وعبثا واتهاماً بالحق وبالباطل.. فبعد فشل مبادرته في إقامة حلف يدعم الرئيس في البقية من فترته رايح يهاجم حلفاءه في الموالاة.. فخلق صراعاً وفجوة كبيرة بينه وبين رئيس الحكومة السابق "أحمد أويحى" المدعم للرئيس أيضاً.. حين قطع له الشك باليقين لخلافة بوتفليقة.. وأنّ جبهة التحرير هي وحدها من تقود ومن تقرر في هذه البلاد.. مما يزيد في الشرخ داخل تحالف المولاة الذي يساند الرئيس بوتفليقة ويعطي سنداً كبيراً للمعارضة المتوحدة على جملة أهداف من بينها شفافية الانتخابات، وتأجيل تعديل الدستور، وإنشاء لجنة مستقلة لإدارة الانتخابات بعيدة عن الإدارة اقتداءً بالنموذج التونسي الفريد.

إن أزمة الجزائر المتراكمة والمتفاقمة جيلاً بعد جيل وبعد سنوات من التزوير والتزييف والتلاعب بإرادة الشعب، دخلت البلاد في الآونة الأخيرة مرحلة مفصلية، مع أزمة الرئاسة وأزمة الفشل الحكومي وانخفاض أسعار النفط والتقشف وشح الموارد الذي بدأت بوادره تلوح في الأفق، ما أدى إلى فتح كل الملفات الكبيرة، وعلى رأسها شرعية المؤسسات وقوتها واستقلاليتها.. ونزاهة الانتخابات.. وتمكين الشعب من أداء دوره في مراقبة الحكومات والمال العام، والمشاركة في صناعة القرار وتقريب العدالة من المواطن والانتقال بصفة فورية ونهائية إلى دولة الحق والقانون.. وإقامة الدولة الديمقراطية الوطنية وتطبيق الرسالة التي حلم بها شهداء ثورة نوفمبر الخالدة.. دولة القانون والمؤسسات.. دولة لا تزول بزوال الرجال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.