المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي محمد درة Headshot

"حماس" بين واقع الحال وكسر المحال

تم النشر: تم التحديث:

وكأنه زلزال حدث في غزة.. فبين عشية وضحاها تتراجع حماس، وتعلن تسليم إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية، ويذهب إسماعيل هنية ورفاقه إلى مصر؛ حيث السيسي ومخابراته.. ويجلسون مع المخابرات المصرية لترتيب الأوضاع في غزة! ويأتي رئيس الوزراء الفلسطيني إلى غزة في استقبال حافل من هنية والشعب في غزة.. ويحضر رئيس المخابرات المصرية إلى غزة.. واللقطة المذهلة، التي لم يكن يتوقعها أذكى المراقبين: عمرو أديب.. وزوجته لميس الحديدي.. يحاوران مَن؟ يحاوران إسماعيل هنية؟ وأين في غزة! بل وبخطاب أقرب إلى الحفاوة بحماس يتحدث أديب والحديدي بعد أن كانا يقولان في حماس أشد مما قاله مالك في الخمر! ما الذي حدث؟ ما الذي حول المحال إلى حال؟

الذي حدث يا سادة أن قادة حماس درسوا الواقع الحالي جيداً.. قرأوا المشهد بواقعية شديدة.. حصار شديد على القطاع.. لا كهرباء.. لا وظائف أو عمل ولا رواتب للموظفين.. لا علاج ولا دواء.. لا دخول ولا خروج.. سجن كبير يعيش فيه سكان غزة.. حكى لي أحد أصدقائي الغزاويين أن مرض الجدري انتشر في الصيف من قلة المياه والكهرباء وعدم وجود العلاج.. والناس يخرجون في ليل الصيف ينامون أمام أبواب منازلهم هرباً من الحر.. والشباب تتجاوز أعمارهم 35 عاماً ولا يجدون وظيفة.. والكهرباء لا تتعدى 4 ساعات في اليوم كله!! قنبلة على وشك الانفجار؟ تحمل الغزاويون الكثير ولم يشتكوا.. ماذا تفعل حماس؟ هل تظل في القطاع بلا رؤية لكسر الواقع المرير؟ والحصار يقوده القريب قبل البعيد! كانت قطر ترسل مرتبات الموظفين أحياناً كثيرة.. فاتهمت قطر بدعم الإرهاب.. وأصبحت في موقف حرج.. والواقع الإقليمي يتشكل عكس التيار.. لا بد من حلول عملية!! لا بد من التعاطي مع الحال بتغييره للأفضل.. لا بد من كسر قيود المحال التي رفعت ولكن بخطوات مدروسة بعناية فائقة.

إن إعلان حماس التراجع عن حكم القطاع وتسليمه إلى السلطة نتائجه بين أمرين: أولاً: أن تنجح المصالحة، ويكسر الحصار.. وتعود الحياة الطبيعية لقطاع غزة.. وتكون حماس الرابح الأكبر؛ لأنها هي مَن كانت السبب في ذلك بتراجعها عن حكم القطاع.. فلولا خطوتها ما حدث ذلك.

ثانياً: أن تفشل المصالحة ونحن بالطبع لا نتمنى ذلك أبداً... وفي هذه الحالة ستكون الحالة أمام الشعب في القطاع أن حماس فعلت ما عليها.. تراجعت وسلمت القطاع للسلطة وذهبت إلى أقصى ما يمكن عمله.. فلا يلومها أحد بعد ما فعلت، وتكون الكرة في ملعب الذين يحكمون وهم السلطة وأعوانها وليست حماس.. وبذلك أيضاً تكون حماس ليست متهمة بل ينظر إليها بالتقدير.

أما أن يستمر الوضع على ما كان عليه من سيطرة حماس مع خنق كامل لكل مقومات الحياة.. فكانت ستأتي لحظة قد لا يتحمل الشعب المزيد وتدفع حماس فاتورة عدم تحريك الأحداث والجمود في المواقف.. وعندها ستكون حماس هي الخاسر الأكبر وقد تكون الأوحد.. ومع وضع ثوابت عدم المساس بسلاح المقاومة.. وتعاون جميع الفصائل مع السلطة في إدارة القطاع.. ودراسة سيكولوجية الجماهير جيداً.. اتخذ قادة حماس الخطوة الصائبة في الوقت الحرج.. وهذه هي الحكمة السياسية التي يفتقدها الكثير.

لقد جانبَ الصواب كل مَن اعتبر حماس قد تراجعت، بل إنني أرى أن حماس بذلك تتحرك للأمام في اتجاه مصلحة شعب غزة، وهي في النهاية خادمة للشعب ومصالحه.. في الوقت الذي تدافع فيه عن أرضه ووطنه.. وما فعلته يصب حصراً في صالح وحياة المواطن في غزة.

فدعوا حماس تُكمل مسيرتها.. وادعوا لها بالتوفيق.. واسألوا الله أن يرزقنا الوعي والفهم الصحيح؛ لعلنا يوماً نُفيق ونُدرك أن مِن فقه واقع الحال، أن نفكر أحياناً في كسر المُحال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.