المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي محمد درة Headshot

رسائل القدس المضيئة في الظلام الحالك

تم النشر: تم التحديث:

اتخذ ترامب قراره بنقل سفارة الولايات المتحدة للقدس، هذا القرار الذي صدر في يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1995 وحمل اسم تشريع سفارة القدس 1995، وقد فوض الكونغرس الأميركي رئيس الولايات المتحدة في تحديد الوقت المناسب للتنفيذ.

وكان ذلك في عهد كلينتون الذي ظل يؤجل تنفيذ القرار كل ستة أشهر حتى انتهت ولايته في عام 2001، ثم جاء جورج بوش الابن الذي تولى الرئاسة من يناير/كانون الأول 2001 حتى يناير 2009 وهو أيضاً يؤجل تنفيذ قرار نقل السفارة الأميركية للقدس، ثم جاء باراك أوباما من يناير 2009 حتى يناير 2017 وهو أيضاً يؤجل تنفيذ القرار، حتى جاء دونالد ترامب وكان مُصرّاً في برنامجه الانتخابي على نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

كان سبب تأجيل التنفيذ لدى الرؤساء السابقين الحرص على وضع الولايات المتحدة موضع الوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين مع وضع الاعتبار لحساسية قضية القدس لدى الشعوب العربية والإسلامية بل والمسيحية أيضاً، التي قد تسبب حرجاً شديداً لدى الحكام الموالين لأميركا أمام شعوبهم، فكان الرؤساء السابقون يؤثِرون السلامة في ذلك، ويرون مصلحة الولايات المتحدة في التأجيل.

ثم جاء هذا الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يفتقد إلى أبجديات الحس السياسي، والذي أصر على نقل السفارة للقدس والتوقيع على ذلك القرار في مشهد تلفزيوني استعراضي ضارباً عرض الحائط بأي ردود أفعال متوقعة.

وفق مراكز دعم القرار المساندة لترامب فإن الأمر لن يتعدى بعض الاحتجاجات والهتافات والمظاهرات في بعض البلدان العربية والإسلامية، ثم بعد أسبوع أو اثنين أو ثلاثة ينتهي الأمر ويكون ترامب قد حقق ما لم يحققه رئيس آخر قبله، ولكن هذا عكس ما حدث!
مجرد أن أعلن ترامب نيته وأبلغ الرؤساء العرب الموالين له بذلك إلا وأعلنت تركيا التصدي المباشر لهذا القرار، فقال أردوغان بلغة واضحة: "القدس خط أحمر ولن نسكت وسنصعد حتى لو قطعنا العلاقات مع إسرائيل".

واتخذ ترامب قراره واندلعت المظاهرات في شتى البلدان الإسلامية والعربية، ثم دعا أردوغان إلى مؤتمر إسطنبول وتم اتخاذ قرارات بعدم الاعتراف بقرار ترامب وبأن القدس لن تكون عاصمة لإسرائيل، وأنها خط أحمر، وحضر من حضر وغاب من غاب من الزعماء ظناً منهم أنها نهاية التصعيد.

ثم جاءت الخطوة التالية بتقدم مصر مشروع قرار لمجلس الأمن بعدم تغيير وضع القدس الحالي (اعتراض مستتر على قرار ترامب) ووافق 14 دولة من أصل 15 دولة، واستخدمت أميركا حق النقض (الفيتو)، فتوجهت كل من اليمن وتركيا وعدد من الدول إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة واتخذ قرار بأغلبية 128 دولة تؤيد عدم الاعتراف بقرار ترامب ووافقت 9 دول منها بالطبع إسرائيل وأميركا ودول أخرى صغيرة لا يعرفها أحد على القرار، وامتنع عن التصويت 35 دولة.

وكل ذلك يحدث وسط مظاهرات تجوب دول العالم كله تقريباً، فأصبح ترامب محاصراً من جميع الاتجاهات، ومعزولاً فيما ذهب إليه، رغم استخدامه التهديد والوعيد، ولذلك فإن ما حدث يجب أن نخرج منه ببعض الدروس المهمة:

أولاً: لا يزال في الأمة الإسلامية روح التحدي إذا مس ذلك ثوابتها، وأنها مستعدة للتضحية والحراك في القضايا المصيرية التي لا خلاف عليها، والقدس أولى تلك القضايا، فكان ذلك الموقف بمثابة الشمعة المضيئة وسط ظلام حالك هو حال الأمة، فالأمل في هذه الأمة لا ينقطع طالما أنها اقتنعت بقضيتها، وهذا شيء يقلق أعداءها كثيراً.

ثانياً: أن قضية القدس ليست عربية، ولكنها إسلامية بل ومسيحية؛ لذلك حملت الأمة الإسلامية كلها في شتى بقاع الأرض هم الدفاع عنها، بل كانت مواقف الدول العربية هي نقطة الضعف (بالنظر إلى تمثيل الدول العربية في مؤتمر إسطنبول)، ومع ذلك لم تستطِع هذه الدول إلا أن تتحرك مع الموجة العامة في مجلس الأمن والأمم المتحدة رفعاً للحرج أمام شعوبها، لكن تبقى الأنظمة العربية نقطة ضعف في جسد الأمة الإسلامية.

ثالثاً: أن أكبر دولة في العالم وهي أميركا رغم استخدامها كل أنواع الضغط والتهديد والوعيد إلا أن غالبية الدول لم تعد تخاف هذا الكاوبوي الأميركي الذي فقد الكثير من هيبته على يد هذا الرئيس الأرعن ترامب، وأتوقع ألا يكمل هذا الرئيس مدته؛ لأنه أفقد الأميركان الكثير من الهيبة والمصداقية أمام العالم، فأكبر المؤيدين له الآن هم تلك الأنظمة العربية البائسة، بينما يسخر منه الكثيرون.

رابعاً: رسالة ربانية إلى الأمة الإسلامية، إذا توحدتم على غاية واحدة وهدف واحد، وأحسنتم الأخذ بالأسباب، فالتوفيق قادم، فقط توحدوا، وأخلصوا، وأحسنوا العمل.

هذه دروس كما قلنا مضيئة في ظلام حالك، الأمة جسدها لا يزال قوياً، ولكن العقل يحتاج إلى حسن الإدارة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.