المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي محمد درة Headshot

أزمة الوعي.. ووعي الأزمة

تم النشر: تم التحديث:

مَن ظنّ أن الدكتور محمد مرسي لن يعود فقد أساء الظن بالله.. جملة ترددت كثيراً على منصة رابعة منذ أربع سنوات، وتناقلها الكثير على أنها من الثوابت.

تلك صورة من صور أزمة الوعي التي نعانيها جميعاً، والتي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.

فالذي يتأمل في سيرة المواجهات بين أهل الحق وأهل الباطل يجد أن أهل الحق يجتهدون في فهم طبيعة المواجهة مع أهل الباطل، ويأخذون بالأسباب وتكون بعد ذلك النتيجة على الله.

إن الذي يشترط على الله النتيجة وأن يراها في حياته، هذا الذي أساء الفهم، فالله تبارك وتعالى وعد بنصر أنبيائه وعباده المؤمنين طالما أنهم فهموا وعملوا وأخذوا بالأسباب (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ) (غافر: 51)، ومع ذلك يؤكد الله تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم أنك قد تراه في حياتك وقد تموت ولا تراه (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد: 40) إذاً ليس شرطاً تحقيق النصر حسب رؤيتك وليس شرطاً أن تنال ما تريد في حياتك.

فلا تشترط على الله، فهو الذي يدبر الأمر لما فيه الخير لعباده المؤمنين، لا كما يفهمون، وأحياناً كثيرة لا كما يتوهمون.

من تحليلنا لهذا النموذج من التفكير لا بد أن نعرف أننا نعيش في أزمة وعي، نتاجها عدم وعي الأزمة؛ لذلك نحتاج أن نتوقف مع أنفسنا أفراداً وجماعات وكيانات، نقيم أنفسنا هل نسير حقاً إلى ما نريد، وهل نعي ونقرأ حقاً ما حولنا من واقع يتغير على مدار اليوم، وقد يكون على مدار الساعة متغيرات تقلب موازين الأمور، فهل نحن على مستوى الحدث وندرك هذه المتغيرات ونتعامل معها بمتغيرات تناسبها في التكتيك والأداء؟ أم أننا تقولبنا في خندق الثوابت وكفى؟

لا بد من مراجعة ثوابتنا التي قد تكون تجاوزتها الأحداث.. لا بد أن نعترف أن الحوار والتفاهم هما أصل حل النزاعات حتى لو بعد حين، وما عدا ذلك استثناء وليس ثابتاً، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

لا ينتصر الحق؛ لأنه حق فقط، ولكن لأن له من يجيد فهمه وتسويقه في دنيا اختلطت فيها الأمور.

نحتاج إلى شجاعة المراجعة، ومهارة التراجع إذا لزم الأمر، وفضيلة الاعتراف بالخطأ، ثم رؤية بلا أوهام.

منذ أربع سنوات وحتى الآن شهدت الساحة عدة مسارات:

المسار الأول: سلميتنا أقوى من الرصاص.. على فرض وجود حالة ثورية لدى الشعب.. أرى من وجهة نظري أنها لم تعد موجودة على أرض الواقع.. الناس تعاني نعم، ولكن لا بد أن نعترف أن المزاج المصري الآن رغم المعاناة ليس جاهزاً لثورة جديدة.. هذا من وجهة نظري.
إذاً فمسار افتراض حالة ثورية يحتاج إلى مراجعة.

المسار الثاني: هو مسار من كفر بالسلمية ولجأ إلى العنف وأراه بهذا قد لجأ إلى خيار الانتحار وهو خيار مدمر؛ لأن من ينظر إلى تاريخ وأحداث الجزائر وتاريخ ما حدث في الجماعة الإسلامية في مصر في التسعينات لا بد أن يستنتج أن اللجوء إلى العنف هو هلاك، والمجتمع المصري يرفض ذلك مهما كان المبرر أنه رد على التجاوزات.

فلا يعقل أن يكون الرد على التجاوزات بخطأ أراه كارثياً وحذر منه كل الحكماء والعقلاء، إنه مسار مدمر للجميع ولن يأتي من ورائه خير.. وديننا ومجتمعنا وتاريخنا وعقولنا ترفض ذلك.

إذاً ما الحل يا سادة؟
الحل لا بد أن يكون هناك مسار ثالث يعتمد على التفاهم والتحاور والتعايش، ولا بد أن يدرك الجميع أننا في سفينة واحدة، ومحاولة أي فريق إلقاء الفريق الآخر في البحر والقضاء عليه من أجل نجاة السفينة من يظن ذلك فهو واهم.

لا حل لنا مهما كانت التضحيات إلا التفاهم والتعايش، وربما يتساءل البعض: وماذا سيكون رد فعل الطرف الآخر؟
والجواب أننا لا بد أن نأخذ المسار الصحيح سواء تجاوب الطرف الآخر أو لم يتجاوب.. المهم أن نكون على الطريق الصحيح وتجارب التاريخ تقول إن الطرف الآخر لا بد أن يستجيب ولو بعد حين.

نحتاج إلى خارطة طريق تؤسس لمرحلة جديدة... تبدأ بالنقد الذاتي الموضوعي وتأخذنا إلى لغة التعايش وليس الصدام.. البناء وليس الهدم.. العلاج وليس البتر مع الإصلاح الإيجابي وفق منظومة مجتمعية تشمل الجميع بلا إقصاء مهما اختلفنا.

أعلم أن الجراح كثيرة ومؤلمة، وما تم دفعه من الجميع غالٍ جداً ومؤلم جداً، سيقول الكثير: وأين حق الدماء والشهداء؟ وأقول لهم: وعند الله تجتمع الخصوم، وسيحاسب الله تبارك وتعالى كل إنسان على ما قدم، أما الآن فلا بد من الحل.

إن الجزائر فقدت 250 ألفاً في عشرية سوداء وفي النهاية لم يجدوا إلا مسار التعايش لإيقاف نزيف الدماء.

فلا بد من لغة التعايش وفتح الجسور.. ومحاولة إيجاد طريق لعلاج تلك الجراح.

نحتاج إلى حكماء من كل الأطراف... شئنا أم أبينا نحن في سفينة واحدة وأن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي.
فهل نمتلك شجاعة الذهاب إلى هذا الطريق؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.