المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الشيماء أشيبان Headshot

حليب "أليف شافاق" الأسود!

تم النشر: تم التحديث:

"حليب أسود" عنوان مذكرات الكاتبة التركية "أليف شافاق" تصف فيها بنحو بديع رحلتها نحو التصالح مع ذاتها كامرأة، بنُسخها المتعددة، بعد أن أدى التنافر الداخلي الذي سكنها فترة من الزمن إلى دخولها في "اكتئاب مابعد الولادة" لازمها أشهرًا جردها من أهم ما تجيده وتحبه في هذه الحياة وهو: كتابة القصص.

تَعبُر أليف شافاق رحلتها هاته عبر مسارَين؛ داخلي وخارجي
في مسار رحلتها الداخلي تخوض الكاتبة تجربة مع ذاتها التي تسكنها شخصيات عدة ، كل واحدة من هذه الشخصيات تدعي أنها هي شخصيتها الحقيقية وبالتالي هي الأَوْلى بأن تحكم وتسيطر.

والمسار الخارجي هو انتقالها من فتاة متحررة، مترحلة، يُعتبر الاستقرار والهدوء والنظام مفاهيم غريبة عنها، من امرأة لم تكن ترى في نفسها غير أنها روائية خُلقت لتتزوج الكتب وتُنجب القصص إلى امرأة أنثى تُحب وتتزوج وتُنجب أيضا.
هذه الرحلة بمساريها الداخلي والخارجي بدأت عندما بلغت أليف منتصف الثلاثينات فبدأ طيف الأمومة يحوم حولها، وصارت علاماتها تطاردها أينما حلت.

لم تكن أليف تعلم هل كان صدفة أن تبدأ في التفكير في الأمومة، أم الساعة البيولوجية هي التي بدأت تدق أم أن التوقيت الاجتماعي هو السبب في ذلك؟، لم تكن تعرف هل ما تمربِه يُعتبر طبيعيا أم أنه إملاء مفروض من وسط محكوم بميراث ثقافي للمرأة فيه وضع خاص؟
انهالت عليها الأسئلة من كل حدب وصوب؛

لماذا عليها أن تختار بين الأمومة وطموحها الأدبي؟
لماذا علي المرأة أن تختار دائما بين أمومتها وبين طموحهاتها الأخرى؟
تبدأ أليف شافاق الإجابة على هذه الأسئلة عبر التعرف على الشخصيات الستة التي تسكنها؛ وقد شبهتهن بنسوة صغيرات بحجم الأنامل.
قبل الأمومة، كانت أليف تعرف أربعة منهن فقط وهن "المرأة الطموحة"، "المرأة المثقفة والساخرة"، "المرأة العملية" و"المرأة الصوفية"، كن في صراع وجدل دائمين، كل واحدة تحاول إلغاء الأخرى، تعترف أليف بأنهن جعلن حياتها تعيسة لكنها في نفس الوقت لا تستطيع العيش من دونهن، فقد كُن هُن مَن يُمثلنها كامرأة.

تستشعر هؤلاء النسوة الصوت الجديد الذي بدأ ينهض داخل أليف وهو صوت "الأم" ويدخلن في تحالف ضده، وبضغط متواصل منهن، تعلنها أليف قرارا لارجعة فيه بأن لا وقت لديها للأمومة، فهي كما صرحت لإحدى المجلات؛ لامشكلة لديها بأن تكون "زوجة أب".
عاشت أليف فترة في ظل حكم هذا التحالف قبل أن تقرر الذهاب في رحلة قصيرة الى اسطنبول، وهناك يعترضها شيء ما يغير مجرى حياتها ومعادلة الأصوات داخلها.

إنه الحب!!

فقط كان الوقوع في الحب هو الذي كان يمكن أن يدفع بامرأة مثل أليف إلى اتخاذ أهم قرار في حياتها وهو الزواج، فتتقدم هي بطلب يد " أيوب" الذي أحبته من أول لقاء جمعها به في إحدى جلسات الأصدقاء.
هنا ينهض صوت نسوي جديد داخلها لم تسمعه من قبل، إنه صوت الأنوثة؛ فتلتفتُ إلى هذا الجانب المطمور منها وتتفتح على الأنثى المُخبئة والمنسية داخلها وتُقررعلى إثرها أن تعامل جسدها بنحو أفضل.

بعد سنتين من الزواج تكتشف أنها حامل، و تنتقل إلى العيش تحت حكم ملكي مطلق لشخصية الأم داخلها فتمنعها من الاتصال بالنسوة الأخريات والتركيز فقط على عالم الأم والطفل، وإن أرادت القراءة فعليها أن تقرأ ماهو مرتبط بهذين العالمين .

تضع أليف ابنتها الأولى وتدخل سحر الأمومة وقهرها عندما يباغتها اكتئاب ما بعد الولادة الذي يسرقها من ذاتها المُمزقة سلفا بين النسوة الست، ويزورها في وقت انحدرت ثقتها بقدراتها كامرأة إلى أدنى درجاتها؛ فهي حسب تعبيرها تلك الأم التي فشلت في أن تُرضع ابنتها بالسهولة التي تقوم بها الأخريات، وهي الأنثى التي لم تعد تقوى على الاعتناء بنفسها، وهي الكاتبة التي هجرتها كلماتها.
يُكمل الاكتئاب دورته في حياة أليف، وتُنهي هي معه رحلتها مع صراع النسوة داخلها،

تعترف إليف أن للاكتئاب الذي مرت به فضلا كبيرا عليها، فهو الذي جعلها تعرف أنها بحاجة إلى كل الأصوات التي كانت تتصارع داخلها، ، فميلها إلى هذا الصوت على حساب الآخر هو ما مكن شبح الاكتئاب من السيطرة عليها، بعد هذا التصالح أصدرت أليف شافاق روايتها الشهيرة "قواعد العشق الأربعون".

في ثنايا مذكراتها أيضا، تصحبنا أليف في رحلات متعددة لأديبات وكاتبات نسائية من الشرق والغرب وقفن عند مفترق؛ الأمومة أو الكتابة، في اختيار مُعقد ومُجحف للمرأة بين عقلها وجسدها.
أليف شافاق في مسار رحلتها الخارجي نحو الأمومة كسرت الصمت الذي يلف هذا العالم، وأجْلَت الكثير مما لايقال لنا ولا نقوله نحن النساء عنه،
فنحن حتى لوعايشنا تحديات الأمومة وصعوباتها، فإننا ننكرها إما خجلًا أو مكابرة، ذلك لأن الأمومة كما توارثناها دور مقدس يجب أن تُذبح كل ذواتنا الأخرى قرابينا له،

فنحن النساء العصريات أيضا دائما ما نميل إلى إظهار أنفسنا أمهات وزوجات وموظفات خارقات نتقن كل المهام التي عادة ما تتطلب فريقا لإنجازها، متجاهلات في الحالتين أن الأمومة مهمة صعبة، لايكفي أن تكون غريزة كي تُصبح سهلة، وأنها وظيفة تحتاج تدريبا وتأهيلا ومعرفة، ولا ضير من طلب مساعدة الآخرين أيضا.

وفي مسار رحلتها الداخلي نحو تصالحها مع ذاتها المتعددة، برهنت أليف أن الاستماع باعتدال إلى أصواتنا الداخلية هو ما يضمن لنا التناغم مع أدوارنا في العالم الخارجي، وهذا ينطبق على الجنسين وليس على المرأة فقط.
"ليست أدوارنا التي تُعرقل حياتنا بل توزيعها هو من يفعل ذلك"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.