المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

السيد عباس محمد Headshot

العسكر يقرأون من الكتاب نفسه

تم النشر: تم التحديث:

في منتصف الستينات من القرن الماضي، وبالتحديد في عام 1965، كنت وقتها في بداية المرحلة الثانوية من التعليم ووجدت نفسي -ومن دون أن أدري- ضمن مجموعة من شباب المدارس، علينا الذهاب إلى معسكر تابع لمنظمة الشباب الاشتراكي ولمدة 10 أيام كاملة على نفقة الدولة؛ أكل وشرب ونوم وممارسة رياضة بالمجان.

هذه الصفقة لا ترفض أولاً معنى اختيارك في هذا التوقيت أنك محبوب من الناس وأن هناك من رشحك لتنال هذا الشرف العظيم ولا بد من أن تثبت جدارتك بهذا الشرف وحبك وانتماءك لهذا البلد.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك أكل وشرب ونوم بالمجان وأنت لا تعلم كيف كان حال الأسر المصرية في ذلك الوقت من فقر وجهل ومرض وتخلف و...

وكان الهدف من هذه المعسكرات هو إعداد الشباب ليكونوا لسان الثورة ويتحدث باسم الثورة ويدافع عن مكتسباتها ويعلي من إنجازات عبد الناصر، وكنا نتحدث عن الثورة والثورة المضادة وكيفية الرد على المشككين في إنجازات الثورة وفي تحقيق أهدافها، وما هو الفرق بين الثورة والانقلاب، وأن ما قام به الضباط الأحرار كان ثورة وكان ضرورة حتمية من أجل سعادة الشعب ورفاهيته.

تعلمنا أن عبد الناصر هو الزعيم الأوحد وهو قائد الأمة العربية والإسلامية.. هو بطل أفريقيا، عبد الناصر لا يخطئ أبداً.. قوله الحق ويحارب الاستعمار في شتى صوره وأشكاله.

تعلمت أن أدافع عن عبد الناصر مهما فعل ومهما كانت مساوئه ومساوئ نظامه وحكمه.

عبد الناصر هو خليفة الله في الأرض ولو كان هناك نبي بعد محمد لكان عبد الناصر.. هكذا تعلمنا في هذا الوقت.. اجتزنا هذه الدورة بنجاح وتلتها دورات أخرى في حلوان بالإضافة إلى معسكرات ترفيهية في أبوقير بالإسكندرية وأصبحنا المدافعين عن الثورة في الداخل ضد أعوان الاستعمار والإقطاعيين والرأسماليين الذين يعملون في الخفاء.. أصبحنا حماة الثورة في الداخل وهنا كانت الخطورة!!

الخطورة أننا أصبحنا نعتبر طبقة فوق طبقة الغالبية العظمى من الشعب وأسفل طبقة السياسيين الممارسين للسياسة فعلاً ولنا سلطات واسعة في أن نفرض آراءنا وما تم حشوه داخل عقولنا من معلومات بعدها صحيح وبعدها مغلوط على الطبقة الجاهلة ثقافيا من الشعب.. أصبحنا قوة مسلطة فوق إرادة الشعب.. إما أن توافقني في الرأي وإما أنك عدو للثورة وخائن للوطن وعليه يجب الإبلاغ عنك وكتابة تقرير عنك وعن آرائك وملاحقتك والتجسس عليك، وافتراض سوء النية في كل عمل لك.. أصبحنا إرهابيين يرهب بعضنا بعضاً، ويخاف الصديق من صديقه والأب من ابنه.. وكم من ابن أبلغ عن أخيه لمعارضته له واختلافه معه في الرأي وكم من زوج أبلغ عن زوجته لينال الشرف عند رؤسائه.

كثر زوار الفجر من عسكر المخابرات وكثرت المعتقلات وكممت الأفواه، فلا يقدر أحد على الكلام ولو لمجرد السؤال عن الابن المعتقل.. أين هو ولماذا اعتقل؟ لا تسأل لأنك ستصبح مثله.. هكذا كنا في تلك الفترة.. تدخلنا في كل شيء حتى في مراقبة البائعين والأسواق نبلغ عن كل شيء لا يرضينا ونعتبره خيانة، ونسكت عن كل شيء يرضينا ولو كان خيانة.. إرهاب من الدولة لأبناء الدولة.. هكذا كانت سمات تلك الفترة بفضل الشباب الاشتراكي.. أذكر أنني رأيت صحفياً معلقاً كاميرته في عنقه ويسير في مدينة سوهاج بعد تغطيته لمؤتمر فأبلغت عنه مدعياً أنه كان يقوم بتصوير أماكن حيوية ومنشآت مدنية مثل كبري حيوي ومبنى المحافظة وغير ذلك.. وتم التحقيق مع الصحفي في وجودي ومواجهتي وأنا مصرّ على أنه كان يقوم بالتصوير وأفرج عن الصحفي وأنا مبسوط أنني قدمت خدمة للبلد عظيمة.. هذه التفاهة هي نوع من الإرهاب للمواطن الشريف حيث كنا نعتقد أننا نحن الشرفاء وغيرنا من الشعب مشكوك في وطنيته.. أبناء منظمة الشباب الاشتراكي كانوا نواة وأعضاء في الاتحاد الاشتراكي ثم أصبحوا هم أعضاء ونواب الحزب الوطني ولجنة السياسات.

العسكر يقرأون من كتاب واحد، فأعضاء منظمة الشباب الاشتراكي هم أنفسهم المواطنون الشرفاء في عهد المجلس العسكري، وهم أبناء مبارك الذين يحاربون ثورة 25 يناير، وهم البلطجية ضد مظاهرات المواطنين، وهم أنفسهم البلاك بلوك في عهد مرسي، وهم أنفسهم حركة تمرد ضد ثورة الربيع العربي.. هم الإعلام المسيس والأذرع الإعلامية التي ذرعها السيسي لتدافع عن نظام السيسي وتصفق لكل فشل.. هم مَن يهلل ويكبر للفشل ويصنعون من الفسيخ شربات.. هم أنفسهم من يتلقون التدريب نفس التدريب في الاتحادية، ويظهرون أمام الكاميرات بأنهم قيادات الشباب وقادة المستقبل.. هم مَن يدافعون عن الباطل بدون تفكير، ويعتقدون كما اعتقدنا أنهم يخدمون الوطن، وفي الحقيقة هم يخدمون حكام مصر ويعينونهم على الظلم والطغيان.

يا سادة.. نحن نهدم مصر، فأين أبناء مصر الحقيقيون؟ أين مَن يحبون مصر ويدافعون عن شعب مصر؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.