المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

السيد عباس محمد Headshot

بين عوامل الحصار والأوراق القطرية.. هل ترفض الدوحة الإملاءات الخليجية أم تقبلها؟

تم النشر: تم التحديث:

فرضت الأزمة الخليجية القطرية وجودها على السطح بقوة، 3 دول خليجية هي: السعودية والإمارات والبحرين، ودولة أخرى تابعة لها في سياستها هي مصر، تقوم بفرض حصار شبه كامل على دولة قطر محاولة تركيعها.

يظل السؤال الدائر في الأذهان: هل تخضع قطر لهذه الضغوط أم ستظل صامدةً؟
الإجابة تعتمد على ما في يد كل دولة من أوراق بدأت باستخدامها أو تنوي استخدامها.

هذا الحصار يعتمد على عدة عوامل:

العامل الأول: هو الحصار الاقتصادي، نتيجة فرض حصار بري وبحري وجوي على قطر من ثلاث جهات، متبعاً سياسة التجويع بمنع حصول قطر على المواد الغذائية التي تعتمد عليها نتيجة لاستيرادها من السعودية، أو تدخل إليها عن طريق منافذ هذه الدول، وإيقاف التعامل يعني نقصاً في المواد الغذائية، مما يشكل عامل ضغط قوياً على الحكومة القطرية، وكذلك إغلاق تعاملات البنوك والطيران في محاولة ضرب العملة القطرية، وهي الريال القطري، وانهيار البورصة.

العامل الثاني: العامل النفسي، ويهدف من ذلك إلى شيطنة قطر؛ حيث تبدو في الصورة قطر دولة منبوذة من جيرانها ومن أشقائها؛ لأنها تدعم الإرهاب والإرهابيين، وأن هذه الدول تتخذ ضد قطر هذه الإجراءات؛ لتعيدها إلى صوابها، وتصحح مِن مسارها الخاطئ.

العامل الثالث: حصار سياسي؛ حيث تستخدم السعودية والإمارات والبحرين ومصر اتصالاتها بدول العالم لتزيد من عدد الدول المقاطعة ساعةً بعد أخرى، فتجد قطر نفسها معزولة عن العالم نتيجة لازدياد تأييد دول العالم للمقاطعة كما هو مرسوم لها.

وبالتالي تحصل هذه الدول على الدعم السياسي للخطوة القادمة، وهي الأخطر بالتدخل عسكرياً لعزل أمير قطر وترتيب البيت الخليجي، بما يناسب سياسات السعودية والإمارات المقبلة؛ حيث إن قطر بزعيمها وقناة الجزيرة تعتبر عائقاً أساسياً ضد ما يدبر للمنطقة من مؤامرات صهيو-أميركية بمباركة خليجية.

العامل الرابع: عوامل اجتماعية باستغلال علاقات التزاوج والمصاهرة بين القطريين والقطريات ودول الخليج

فمجرد قطع الروابط الأسرية سيشكل عامل ضغط قوياً، أضف إلى ذلك منع القطريين من أداء العمرة والحج، وما يترتب عليه من تشويه لصورة زعيم قطر كمحاولة للضغط والتأثير القوي.

العامل الخامس: دفع الجنسيات الأجنبية العاملة في قطر، وخاصة المصريين لترك البلاد، فيؤدي ذلك إلى شلل للحركة داخل قطر، كما فعل عبد الناصر مع بعض دول الخليج سابقاً، وخاصة السعودية، مما اضطر الحياة للتوقف ورضوخ تلك الدول لمطالب عبد الناصر وقتها.

العامل السادس: الضجيج الإعلامي في وسائل إعلام دول المقاطعة واستغلالها في التشهير بدولة قطر وزعيم قطر، بل وتحريض الشعب القطري على القيام بثورات ضد القيادة القطرية، وبيان أن كل مَن سيقوم بالثورة ضد النظام القطري سوف يجد البيئة المناسبة والفرص المهيَّأة، من حيث دعم الإمارات والسعودية ومباركة دولية أميركية.

الموقف القطري يتلخص في النقاط التالية:

أولاً: الدوحة تنفي جملةً وتفصيلاً كل ادعاءات دول المقاطعة من حيث الإرهاب ودعم الإرهاب، بل وتطلب من دول المقاطعة أن تحدد هذه الافتراءات وتضعها للمناقشة العلنية، موضحين أساس المشكلات وكيفية حلها، وأن دولة قطر لا تمانع في حل المشكلة داخل إطار مجلس التعاون، ولكن على أسس منطقية وعادلة في جو تتوافر فيه حرية الحوار ونزاهته.
وهو الأمر الذي وضع دول الحصار في مأزق أخلاقي أمام العالم.

ثانياً: دولة قطر ترى أن الحصار المفروض عليها ليس قانونياً ولا شرعياً ولا أخلاقياً، وأن الجهة الوحيدة المختصة بفرض العقوبات هي الأمم المتحدة، وعن طريق مجلس الأمن، وأن العقوبات تكون بالتدريج لا تكون حصاراً يأتي فجأة، وفي نظري هو ليس مقاطعة أو حصاراً بقدر ما هو إعلان حرب.
وهو ما يراه العالم بالفعل.

ثالثاً: التزام قطر منذ اليوم الأول بعدم التصعيد في المواقف، جاء من منطلق الحفاظ على البيت الخليجي لدرجة أنها لم تسمح لإعلامها بالتطاول، ولا لأي إنسان قطري في وسائل التواصل الاجتماعي بأن يهين أو يعتدي على رموز دول المقاطعة، ولا يتعامل بالمثل سواء في شهر رمضان أو بعد انتهائه.
وهو ما أظهرها بمظهر الطرف الأكثر مهنيةً والأكثر إيجابية.

رابعاً: قطر لم تذهب إلى أي دولة خارجية وتشركها في التدخل لحل المشكلة مباشرة، وإنما كان تحركها بعد تحركات وزراء خارجية دول المقاطعة، وخاصة وزير خارجية السعودية، وذهابه إلى دول أوروبية مثل ألمانيا، فكان الهدف هو الدفاع عن حملات التشهير والافتراءات بأن قطر تدعم الإرهاب.

خامساً: منذ اليوم الأول للحصار ظهر أن قطر كانت مستعدة لحدوث مثل هذه الكوارث، وأن لديها بدائل، وأنها تعلم كيف تدير الأزمات المفتعلة، فكان وصول شحنات المواد الغذائية في نفس اليوم من تركيا وإيران والمغرب والأردن وغيرها.
وقطر أعطت لكل مقيم على أرضها حرية الاختيار من حيث البقاء أو المغادرة، وكذلك الحال بالنسبة للشركات الأجنبية.
وهو ما لم يعطِ للحصار الاقتصادي الأثر المطلوب.

سادساً: موقف قطر الاقتصادي القوي وما لديها من فوائض دولارية واحتياطي نقدي جعل الريال القطري لا يتأثر حتى الآن، ولا تهتز صورته نتيجة للأحداث، ثم إن استثمارات قطر وتنوعها في دول العالم زادت من قوتها الاقتصادية.

دول كثيرة بها استثمارات قطرية تخشى عليها أصبحت هي التي تحاول السعي في إيجاد حلول للمشكلة القطرية؛ لأن بقاء المشكلة يزيد من تعقيدات الأمور والمنطقة لا تتحمل نزاعاً طويلاً الأمد، ولعل ذلك جانب من جوانب التأييد لقطر والحفاظ على سلامتها.

وبالتالي كانت فرصة ذهبية لقطر من التخلي عن الاعتماد الاقتصادي على دول الخليج وتنويع مصادرها.

سابعاً: فشل الحصار الاقتصادي، وفشل وضع قطر على أنها إرهابية وتدعم الإرهاب، وفشل التأثير على قطر من الداخل، وفشل محاولة التهديد بالقوة.

وبرغم ذلك ما زال الرهان على عامل الوقت والزمن، فربما على المدى البعيد ستجني دول المقاطعة ثماراً، ولكن على الجانب الآخر دول المقاطعة نفسها خسرت كثيراً من حصارها.

شركات ومؤسسات داخل هذه الدول أضيرت، ولم تفلح الأيام القادمة حتى ولو حلت المشكلة، فلن يكون لهذه الشركات والمؤسسات تعامل في قطر، ونحمد الله أن العمالة المصرية لم تستجِب لطلبات حكومتها وإعلامييها بمغادرة قطر، وإلا كانت سوف تحرم من دخول قطر للأبد، كما فعل عبد الناصر قديماً، فكانت النتائج السلبية بعدم الاعتماد على العمالة المصرية وحدها، بل لجأت إلى العمالة الآسيوية مثل الهنود والفلبين ودول شرق آسيا، وأصبح المصريون دائماً هم أول مَن يستغنى عنهم.

ثامناً: نظرة قطر المختلفة عن نظرة السعودية والإمارات والبحرين ومصر بالنسبة لحماس، فقطر تعتبر حماس حركة مقاومة ضد الصهيونية المحتلة لأرض فلسطين، ولكن باقي الدول ونتيجة للتطبيع مع إسرائيل تعتبر حماس منظمة إرهابية، وأنها تقوم بعمليات إرهابية تهدد أمن إسرائيل، وهو تهديد لأمن مصر، وتهديد لأمن الخليج.

وكذلك العداء الشديد من حكام الإمارات والسعودية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا ومصر واليمن وغيرها، واعتبار أن الإخوان المسلمين أشد خطراً من اليهود وإيران وأميركا، وهذا الاختلاف في وجهات النظر هو سبب مباشر للمشكلة القطرية، ومن الصعب حلها سريعاً، وهو ما يعطي قطر ظهيراً شعبياً جيداً في الوطن العربي عموماً وحتى في دول المقاطعة نفسها.

تاسعاً: ما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو نجاح لقطر يقابله حقد من دول خليجية تظن أنها صاحبة الزعامة في المنطقة.

هذه الدول تحاول تسليط الضوء عليها وعلى الخدمات التي تقدمها لإهدار الصهاينة والأميركان، وفي المقابل تحاول أن تشيطن قطر وتظهرها بالداعمة والمحتضنة للإرهاب، وأن قطر العقبة الوحيدة التي تعارض التطبيع وتقاوم التحالفات، بل وتكشف كل اتفاق عن طريق قناة الجزيرة ودورها الكاشف.

ولعل النقطة الجوهرية في الخلافات بين الإمارات والسعودية من جانب وبين قطر من جانب آخر، هو اعتبار قطر أن السيسي ونظامه نظام انقلابي قائم على الخيانة، وأنه لا شرعية له، بينما يستمد نظام السيسي وجوده من تأييد الإمارات والسعودية له ودعمه في المواقف السياسية، بالإضافة إلى دعمه بالأموال ومحاولة تجميل صورته من قاتل وسفاح إلى مناضل ومحارب للإرهاب.

عاشراً: كل الدول الكبرى ذات مصالح وعلاقات مشتركة مع كل من الجانبين -قطر من ناحية والسعودية والإمارات من ناحية أخرى- لذا فهي تعول على حل المشكلة داخل البيت الخليجي، وتحاول أن تكون على الحياد، وتكتفي بدور الوساطة الكويتية وتعول عليها وتدعمها.

ولكن هذه الدول ولحساسية الموقف لم تتوسط لحل المشكلة مباشرة؛ لعدم تعقيد الأمور، وحتى لا تعتبر منحازة لطرف دون طرف، ولكن هذه الدول تتابع عن قرب وتدعم حسب مصالحها، والكل يتحدث عن مسألة رفع الحصار على أنها مسألة إنسانية ويجب رفعه بأسرع ما يمكن.

الدور الأميركي يترنح بين شد وجذب، ويحاول استغلال المواقف ليحصل على مكاسب، ملوّحاً باستخدام سلاح الإرهاب، وجعله سيفاً على مَن لا يرضى عنه، وفي المقابل هناك دول لا تقبل هذا الأسلوب وتحاول أن تجد لها دوراً مباشراً أو غير مباشر حفاظاً على التوازن الإقليمي.

خلاصة الكلام:

من وجهة نظري فإن كل يوم يمر له تأثير سيئ على اللُّحمة الخليجية، والأمن الخليجي، وآثاره السلبية أكثر من إيجابياته.
هل تطول المسألة كرهان على عامل الوقت؟ هذا يعتمد على قوة الخصوم ومدى تحمّل كل منهم للتوابع.

رهان على المؤيدين المعارضين ومدى فاعلية كل منهم، ومن يستطيع أن يكون مؤثراً، وعامل الخبرة في معالجة الأمور، وقوة وجدية التحركات على الساحة الدولية ومدى استقطاب كل دولة لأكبر عدد من الأصدقاء، وخاصة أن قطر لم تستخدم أي سلاح هجومي، وإنما كل أسلحتها دفاعية، وإنما تحاول أن تحمي نفسها وشعبها.

الخيارات كثيرة.. الخيارات ليست في صالح العرب والمسلمين.. الخيارات ربما تُغير من الواقع الذي نعيشه وربما تجر المنطقة لما لا تُحمد عقباه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.