المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

المقداد أحمد Headshot

حالة الحوار الوطني السوداني

تم النشر: تم التحديث:

افتتح الرئيس البشير يوم السبت العاشر من أكتوبر 2015 مؤتمر الحوار الوطني. الحوار الذي طرحه الرئيس وحزبه الحاكم (المؤتمر الوطني) منذ حوالي العام سبيلاً لحل مشاكل السودان، تباينت تجاهه ردود فعل القوى السياسية؛ ففي حين تشارك مجموعة من الأحزاب أبرزها المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، والاتحادي الديمقراطي الأصل، وعدد من الحركات المسلحة، تقاطع في المقابل أحزاب قوى الإجماع الوطني المعارض وأبرزها الحزب الشيوعي، بالإضافة إلى تحالف الجبهة الثورية المسلح والمكون من الحركة الشعبية - شمال، وحركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، إضافة إلى حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، وحركة الإصلاح الآن اللذين انخرطا بدءاً ضمن المشاركين ثم خرجا من بعد.

الفرقاء إذن منقسمون بين مشارك ومقاطع؛ المقاطعون من جهة من الأحزاب والحركات لا يرون الحكومة جدية في التزامها، فيرفضون إعطاء ما تفعله "شرعية"، يطالبون بوساطة وضمانات دولية، ويتمسكون باشتراطات أولية تبني الثقة (إيقاف شامل للحرب، إيصال الإغاثة، إطلاق الحريات، إخلاء المعتقلين، ...) ما لم تنفذها الحكومة فلا جلوس معها، ويبقى الوضع كما هو عليه.

الحكومة والأحزاب المشاركة في المقابل تصر على أن الحوار مفتوح للجميع، وأنه سيكون سودانياً دون أي وصاية، ترفض الاشتراطات القبلية، وتصر على أن تحقيق التوافق حول هذه القضايا يجب أن يكون على العكس من ذلك نتيجة ومخرجاً من مخرجات الحوار.

ليس الانقسام في المواقف هذا هو وحده ما يجعل الأمر معقداً، ولكن الاختلال في موازين القوى بين الأطراف. فالحزب الحاكم - إذا استثنينا الخمس سنوات التي تقاسمها فيها مع الحركة الشعبية بعد اتفاقية السلام وقبل الانفصال - هو المنفرد بالسلطة منذ 1989م، وعلى الرغم من سوء وضعه دولياً - الأمر الذي تعول عليه المعارضة - فإن ذلك لا يشكل ضغطاً ذا اعتبار على النظام، خصوصاً أن ملف السودان لم يعد في قائمة أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولئن كان النظام قد استطاع الحفاظ على وجوده وتماسكه في فترات أكثر ضغطاً وتهديداً، فإنه لن يعير انتباهاً لأي توجيهات أو محاولات للضغط دولية أو إقليمية، وإن كان يحاول التحوط تجاهها على أي حال.

وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فقد عبر النظام سليماً مما هو أسوأ، ولا يترقب في الظروف الحالية هبة شعبية. ولا هو كذلك يخشى من سقوط البلاد عسكرياً بانقلاب، أو على يد إحدى الحركات أو جميعها، فتقديرات اليوم تجعل هذا الاحتمال بعيد التحقق.

بالتالي فالنظام يبدو حاملاً لجميع الأوراق على عكس المعارضة خالية الوفاض، ففوق فشل محاولات هذه الأخيرة الإطاحة بالنظام بشتى الطرق، فهي كذلك منقسمة على ذاتها وفيما بينها ولا تحمل استراتيجية موحدة.
هذا الواقع الذي ترفض المعارضة التسليم به، هو ذاته ما يجعلها متخوفة من الانخراط في مبادرة للحوار يقودها المؤتمر الوطني، فيما لا يوجد في الواقع ما يلزمه بالمضي فيه بجدية وتنفيذ مخرجاته، الأمر الذي يجعلها تتمسك بالورقة الأخيرة بألا تكسب حوار النظام شرعية، الأمر الذي سيفقدها وضعها كمعارضة مطلقة لا تعترف بالنظام.

ومهما يكن من أمر، فإن الحوار إذا أريد له أن يتم -ناهيك عن بلوغه لأهدافه بحل مشكلات البلاد- فإنه لا يمكن أن يتم إلا بوجود الجميع، وبالطبع ليس بمعزل عن القوى المعارضة الرئيسية والحركات المسلحة ذات الوجود والتأثير الفعلي على الأرض، ليستعاض عنها ببعض أحزاب وفصائل منشقة!

إن اختلال ميزان القوى الذي أشرنا إليه هو أيضاً ما يجعل من كل محاولة للتحليل ضرباً من خبط عشواء، فلا يبقى للمراقبين والمهتمين إلا التأمل في نجاح هذه السانحة، والعمل على تقريب الشقة بين الأطراف، فما لم يستطع الفريقان (المشارك والمقاطع) التوصل إلى صيغة يُنجحان بها هذه المبادرة فإن السودانيين سيخسرون فرصة نادرة بإمكانها أن تخرجهم من المأزق الذي هم فيه بأقل الخسائر، ذلك مرهون بجهود وساطة الآلية الإفريقية، وبذمم الفرقاء جميعاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.