المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

المقداد عساف  Headshot

الفضائيات الأردنية، جدل الفشل

تم النشر: تم التحديث:

لم تعرف الشاشة المحلية الأردنية منذ نشأتها سوى صورة واحدة انفرد بها التلفزيون الأردني الرسمي لعدة عقود ممثلة وجهة نظر حكومية بلا شك، هذا العصر الذهبي الذي حظي به تلفزيون الدولة انتهى بظهور متسارع لعدد من الفضائيات المهتمة بالشأن المحلي خلال السنوات الخمس الأخيرة، لتزاحمه على مشاهديه حيث عاد إلى الصفوف الخلفية ضمن تصنيف المتابعة.

رغم الكم المقدور لتلك القنوات حديثة الولادة، إلا أن الانتشار الواسع لم تحققه سوى ثلاث أو أربع فضائيات أبرزها قناة رؤيا الفضائية والتي يملكها رجل الأعمال الأردني ميشيل الصايغ، وقناة اليرموك الفضائية والتي تملكها جماعة الإخوان المسلمين الأردنية، ولعل القوى الاقتصادية والسياسية التي تقف وراء الفضائيتين تعد سببا رئيسا في ما تتمتعان به من حضور.

"رؤيا" انطلقت قبل ما يقارب الخمس سنوات ضمن رؤية تنص على "إيجاد محطة تقوم على رؤية فضائية ذات شكل عصري ورقمي متطور يرقى بمضمون إعلامي عال المهنية والجودة ويلبي اهتمامات وتطلعات المشاهد العربي والمشاهد الأردني في الداخل وفي الخارج " كما تُروّج، واستطاعت فعليا الوصول إلى بيوت الأردنيين بشكل واسع محققة متابعة غير مسبوقة لقناة أردنية محلية؛ حيث اعتمدت تقنية عالية الكفاءة والتطور فهي تستخدم كاميرات عالية الوضوح مقارنة بمثيلاتها من القنوات الأردنية بإخراج احترافي عصري وتعمل على البث بتقنيات متطورة أيضا، بينما تجتهد لتمثيل كافة أطياف المجتمع في برامجها المتنوعة، إلا أنها مع ذلك لم تنج من سقطات جعلتها مثارا للجدل محلياً وحتى عربياً فهي تتّهم من عدة جهات بأن خطها التحريري لا يتفق مع الثقافة والخلق العام الأردني، هذه الاتهامات لقيت قبولاً شعبياً عبر عدة مقاطع مصورة تجاوزت فيها القناة الأخلاق العامة لمجتمع محافظ تارة وتصادمت فيها مع معتقدات مجتمع مسلم تارة أخرى في حين عززت من النزعة العنصرية عبر مشهد آخر.

لعل الجدل الأخلاقي الذي أثاره المقطع الأخير للقناة المعروف بمقطع "الخوخ"، والذي يحمل إيحاءات جنسية بشكل فج ، كان القشة التي قصمت ظهر البعير فبينما ثارت حمية المجتمع الأخلاقية عبر استهجان وإدانة غير مسبوقين سُجّلا بوضوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قدمت القناة بين يدي ذلك اعتذاراً لم يشفع لها بل اعتبر مجتمعيا كما يقال "عذر أقبح من ذنب"!، جاء في الاعتذار أن المقطع المصور كان موجها للبالغين وليس للصغار مما جعل القناة في موقف لا تحسد عليه أبدا فلو قدمت اعتذارا دون تبرير لكان موقفا أيسر تقبلا، لكنها تبنت وجهة النظر القانونية من الموضوع و هو جواز عرضه للبالغين، في حين أن المجتمع يسود فيه أعراف وأخلاق مغايرة تتحفظ على عرض هذه المشاهد تجاه أي فئة كانت، تخضع القناة اليوم لتحقيق قضائي صدر فيه بلاغ من النائب العام يحظر مناقشة تفاصيله إعلاميا.

رغم كل الأسس التي اعتمدتها "رؤيا" للنجاح وتحقيق الانتشار الواسع يسود المجتمع الأردني حالة تَعكَّر فيها المزاج العام تجاه القناة حيث صدرت دعوات عديدة توجب على الجهات الرسمية التحرك تجاه إغلاق القناة في ما دعى آخرون أرباب الأسر إلى تحمل واجباتهم في فلترة الشاشات من الشوائب الأخلاقية، في وقت حمل فيه التداعي الشعبي المتزن ضد القناة صورة جدار واق لتقاليد المجتمع.

يمكنني القول إن القناة فشلت في استرضاء الذائقة الأردنية وفشلت في الحصول على الثقة المطلوبة للتواجد المريح على الشاشة المنزلية الأردنية حيث عززت وجودها كتلفزيون مثير للجدل ولهواجس المؤامرة على الأمن الأخلاقي الأردني.

في الجهة الأخرى تقف فضائية "الإخوان المسلمين" فصيل المعارضة الأكبر، قناة "اليرموك" التي افتتحت منذ ما يقارب الخمس سنوات أيضا، بدأت عملها الفعال منذ انطلاق ما سمي بـ "الحراك الأردني للإصلاح " حيث اقتربت شاشتها من أن تكون تلفزيون الحراك بامتياز فأغلب برامجها تبث الفعاليات الحراكية أو تحللها وتطرحها للنقاش، أنا شخصيا عملت صحفيا في طاقمها لأكثر من سنتين غطيت فيها عشرات الفعاليات الحراكية بعيدا عن تغطيات تلامس مساحات أخرى من واقع المواطن الأردني في تلك الفترة. فالإخوان يتبنون حالة ثورية في الإقليم ويتبنون حراكا شعبيا سلميا على المستوى الاردني كقواعد أساس للوصول إلى السلطة مما عكس ذلك على خط سير القناة.

انحسرت موجة الحراك الشعبي و بدأت القناة بمحاولة تناول الشؤون المحلية متجاوزة التوقف هناك، وعلاوةً على تأخرها فقد واجهت واقعاً تقنيا شديد الصعوبة فهي بعيدة عن الاحتراف التقني تصويرا وإخراجا وإنتاجا فيما تحاول التكيف مع البيروقراطية التنظيمية في ذات الوقت، أضف إلى ذلك تركز مشاهدتها على منتسبي "الإخوان" و مناصريهم تبعا لتبنيها لوجهة النظر الإخوانية تماما كما يتبنى التلفزيون الرسمي وجهة النظر الحكومية بجمود مستغرب.

جماعة "الإخوان " في الأردن تشهد منذ ما يزيد عن العام تطورات كبيرة على مستوى أزمتها الداخلية وبعيدا عن الأسباب والحيثيات فإن هذا الانقسام ألقى بظلاله على كافة فعاليات الجماعة ومؤسساتها و منها "اليرموك" فكانت تبعيتها المباشرة لتنظيم يشهد اضطرابا نوعيا سببا كبيرا في ضعفها.

أُغلقت الحكومة أستديوهات القناة منذ أسابيع بحجة عدم إتمام إجراءات الترخيص، في وقت لم تحصل فيه "اليرموك" على تعاطف شعبي مقبول يدين إغلاقها، في حين لم يقدم "الإخوان" تجاه ذلك سوى الإدانة والاستنكار في خطوة تبين صفرية خيارات الجماعة أمام صفعات النظام الحاكم.

و أرى هنا أن فشل اليرموك في استقطاب أطياف المجتمع ككل، وفشلها في التعاطي السياسي مع الحكومة كتلفزيون معارض، إضافة إلى الضعف التقني الشديد الذي رافقها منذ الانطلاق، يضيف فشلا آخر إلى حالة الإعلام الأردني.

تعج الشاشة الأردنية بقنوات محلية ضعيفة المستوى لم تنجح في حمل رسالة إعلامية وطنية متصالحة مع الواقع الأردني بعيداًعن قيود الأيديولوجيا أو التبعية للإمبريالية، و يظل السؤال هل ستسطيع جهة ما تدشين مشروع إعلامي يقدم الوطن كما يليق عوض تلفيزيونات لا يزال فشلها من عدمه مثار جدل.!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع