المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي هاشم Headshot

تجرع السم للبقاء

تم النشر: تم التحديث:

تتراقص ألسنة اللهب التي تزنر خارطة العرب من بعيد، يراها كل ناظر إلى القبلة ليصلي، وكل ناظر إلى المنطقة بهدف أو غير هدف. كأن النار حفزت ثقافة الوقوف إلى الأطلال لتقف على رجليها من جديد، هكذا عادت "قفا نبكي" لتصبح نافلة قول للكتاب والشعراء في وصفهم حال أمتهم الذي دون أدنى شك يرثى له ويكتب فيه من البكائيات المعلقات.

وماذا بعد؟ بعد الدم المسفوك ظلما وطغيانا، باسم ثورة حينا ومعاداة لإسرائيل حينا أخر، باسم مشروع إسلامي يستعيد الخلافة وأخر ينظّر لحروب عصابات سياسية وثالث يقدم خلافته بما يتناسب مع منظوره الفقهي والشرعي. ماذا بعد بقايا دول أضحت قوالب للحم الأخوة القتلى ترسم على سطحها خناجر العالم مسوخ خرائط لدويلات طائفية وعرقية تنهي بما لا يدع مكانا للجدل أي إمكانية للاعتراض على مشروع يهودية الدولة في فلسطين وتقدم إسرائيل أنموذجا للدولة المستقرة المتوازنة التي برغم هويتها الدينية "تحتضن الآخر" المختلف وتشركه في سياستها وجيشها وتسمح له بالاقتراع في إنتخاباتتها العامة.

من الوهم الاعتقاد بأن شرق أوسط ما بعد الربيع العربي سيعود كما كان، بل من الخيال الظن أن أهل البلاد المختلفين فيما بينهم سيشيحوا بوجوههم عن مآسيهم وعن ثاراتهم التي استيقظت بفعل الإقتتال المذهبي أو العشائري أو العرقي. ربما يهرب بعضنا من مشاعر بغضاء تلاحقه تغليبا للعقل وتسليما لمبادئ دين يعتقد به أو قواعد أخلاق يؤمن بها، لكن الأغلب الأعم، كل أم وأب وأخ وزوجة وشقيقة وصديق لن ينصتوا سوى للصوت العميق في دهاليز القلب الجريح المنادي بالثأر، الدم بالدم والقلب بالقلب والروح بالروح والبادئ أظلم!
هل نريد لهذا الصوت أن يبقى عاليا؟ هل نريد أن تبقى أصوات القذائف والرصاص الموسيقى التصويرية لمدننا وقرانا واحيائنا؟ هل نحتاج لأكثر من نصف مليون ضحية، إن لم يكن أكثر، لنقرر أن طريقا آخر لا يزال سالكا وأ، غيرنا اختار يوما ما أن يخلّد الدم ويحوله لحبر يكتب فيه عصر سلام. هكذا فعلت أوروبا في يوم من أيام منتصف القرن السابع عشر في وستفاليا منهية حروبا أهلية إستمرت لعقود، أو حتى سيراليون و رواندا في إفريقيا اللتان شهدتا كل على حدا حروبا أهلية طاحنة وتطهيرا عرقيا بأبشع الصور، لكنهما في نهاية المطاف، بفعل الإرادة، والإرادة الشعبية قبل كل شيء، تمكنتا من إغلاق صفحة سوداء وفتح كتاب جديد.
إن لم تكن ساعة الحقيقة لتغيير ما قد آنت الآن فما الذي آن أوانه حقا اليوم؟ إن لم يكن زمن البحث في كومة القش المحترقة من المغرب الى البحرين عن إبرة نرتق بها افتاقنا فمتى يأتي الوقت؟ ليست الأسئلة هذه تهدف للتنظير في زمن التطبيق، ولا هي بضعة كلمات يخطها آيس من حل وحياة ومستقبل، وينوح للقول انه بنوحه هذا يضع عن كاهله مسؤولية الدماء المسفوكة باسم الدين والهوية والتاريخ لأجل مستقبل لا دين له، ضائع الهوية.

سيقول قائل أي تخل هذا الذي يحول الدماء إلى ماء، أي تسوية تلك التي تُرسم معالمها بالجثث ومن هم على لائحة الإنتظار للتحول إلى جثث؟ وكيف ننسى وقد لونت ذاكرتنا لسنوات باللون الأحمر الفاقع فأضحينا كالثيران الهائجة، لا نرى أحمرا إلا وركضنا بإتجاهه علنا نشفي به غليلا. هذا القائل لن يخطئ إن كان قال إن أولاده قتلوا أو شردوا أو ضاعوا، هو لا يكذب حين ينطق بما لا عين رأت سوى عيناه ولا أذن سمعت سوى أذناه.

إنها حقا معضلة الصفح المستحيل، إشكالية الإنتقام المشروع والحق السليب الذي يحتاج ان يعود. كل ما سلف صحيح، لكن المعضلة تحمل أيضا بين جنباتها في عين تعقيدها أسبابا تجعلها علة حل كما هي علة تعقيد.

من منا يريد أن يٌقتل كما يٌقتل الناس في سوريا واليمن والبحرين والعراق وليبيا ومصر وغيرها؟ من يريد لأولاده حياتا أفقها هجرة في أحسن الأحوال، عبر طائرة أو في بر أو في بحر قد يبتلعهم وأحلامهم وذكرياتهم إلى الأبد، أما في أسوأ الأحوال فقتل بسلاح، لا يهم أكان قذيفة أم برميلا أم رصاصا؟ تعددت الوسائل والقتل واحد، والقتل في أوطاننا لم يعد رفاهية جريمة معقدة، القتل أسلوب حياة، نهج، عقيدة، بل يقول البعض أنه بالنسبة لهم نوع من الصلاة ودعاء لا يحتمل عدم الإجابة.
لن نلمس التغييرات الجذرية التي طرأت على مجتمعاتنا قبل عقد من الزمن، فكل ما نحن عليه مجتمعيا مجرد إرهاصات وانفعالات لجيلنا الذي يشكل شبانه ورجاله ونساءه، نحن من تأثر وعانى لكننا لا زلنا نحتفظ في وعينا ولا وعينا بذكريات من زمن لم يكن بحد ذاته جميلا، لكنه لم يكن ببشاعة ما نحن عليه اليوم. أما الجيل القادم، رجال ونساء العقد القادم من هذا القرن، هؤلاء تربوا على الأحقاد، وكبروا على كره الآخر، رأوه وهو الذي يتحث لغتهم، ويدين بدينهم، ويحمل ذات هويتهم، يقتل أباءهم وأمهاتهم ويسوي بيوتهم بالأرض ويحول قراهم إلى أثر بعد عين. هذا الجيل لم يحلم أساسا ليرى أحلامه توأد في مهدها، سقف أمنياته يومٌ بلا موت، فما الحال بأدناها، لم يعرف حقوقه ليفهم واجباته، تربى على سلطة الأمر الواقع والدولة الطاغية، هو بإختصار جيل القتل المتسلسل والكره الممنهج، هؤلاء إن سلمنا للحرب صناعة وعيهم فعلينا أن نسلم بأنهم سيصنعون لنا مستقبلا، تاريخنا القاتم لا شيء أمام دمويته. ألم يحن الوقت لنتجرع سم التسوية ليعيش من بعدنا!