المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علياء كيوان  Headshot

لا تدع رمضان يمر دون أن تستخدم " الغسالة الرمضانية"!

تم النشر: تم التحديث:

رمضان ليس للجوع والعطش فقط، بل هو غسالة روحانية مكفولة أبداً، وفيها خيارات جميلة تصل إلى البقع العنيدة والرواسب الصعبة، وكذلك الصدأ الذي قد يطال أفعالك وأقوالك، ما عليك سوى أن تتبع التعليمات الربانية وتضغط على زر قوة الإرادة وتبدأ التشغيل.

ولكن في بداية الجولة الأولى من الغسالة نظرت إلى نفسك في المرآة وأفزعك مظهرك، عينان متعبتان من السهر والتراويح، وجه وأطراف منهكة من الجوع والعطش، (ولكن ما هذه البقع السوداء والرواسب التي تملأ قلبي وروحي؟ يا إلهي) تعود وتقرأ تعليمات الغسالة وتقول في نفسك: (لقد اتبعت كل هذا ولكن لم أحصل على النظافة المطلوبة!!) تعود وتنظر إلى المرآة مرة أخرى وتغطي وجهك بيديك وتحاول أن تستر البقع التي ظهرت على روحك وتأخذ شهيقاً عميقاً مليئاً بالدعاء حتى يمتلئ قلبك بأكبر كمية من الدماء التي قد تزيل الرواسب ولكن كل هذا لم يجدِ!

عدت إلى تعليمات الغسالة الرمضانية ووجدت في صفحة الأسئلة الأكثر تكراراً:

(في حال عدم اختفاء البقع عليك بالاستغفار والتسبيح وزيادة صلواتك..) وبسرعة بدأت تلهج بالدعاء وتنحني صعوداً ونزولاً في الصلاة وعندما انتهيت ركضت كالطفل إلى المرآة مرة أخرى، ولكنك أعبست وجهك فكل ما فعلت لم يجدِ، عدت إلى دفتر التعليمات وتأملت الأسئلة المكررة، ومن ثم علت وجهك ابتسامة كبيرة عندما قرأت:

(في حال عدم تخلصك من الرواسب والبقع اذهب وتبرع في أقرب مسجد أو لعائلة فقيرة تعرفها فالصدقة منظف فعال للروح، لبست ملابسك وركضت إلى أقرب مسجد وأفرغت محفظتك في صندوق التبرعات وعدت أدراجك تشعر ببعض الراحة في القلب، وهذا يعني أن الرواسب بدأت بالتحلل، ووصلت إلى البيت وبخطوات واثقة وقفت أمام المرآة ولكن صرخت في روحك: يا آلهي، الوجه المتعب من الجوع والعطش كما هو وكذلك البقع السوداء ما زالت موجودة وبعض الرواسب قد ذهب، ولكن ما زال القلب ثقيلاً، ما الحل؟ وهل سأبقى أعاني وجع الجوع دون أن أنجح بأن أكون نظيفاً تماماً)..

عدت إلى دفتر التعليمات للغسالة الرمضانية ولم تجد شيئاً آخر قد يساعدك وبدأت أفكار سوداء تعصف بعقلك عن مدى مصداقية هذه الغسالة!! لأنها مشروطة بالصيام ثلاثين يوماً من كل عام وأداء المزيد من النوافل وفوق كل هذا الجوع والعطش والحر شديد والنهار طويل!!، ولكن مهلاً يوجد الرقم الساخن للحالات المستعصية.. تضغط الأرقام بلهفة محاولاً أن ترطب ريقك الجاف من العطش وتنتظر الرد وتبدأ الأسئلة تطل من الناطق الآلي:

(عزيزي الصائم، إن كنت غير قادر على إتمام الصيام بسبب مرض أو إنهاك جسدي، أفطر وانوِ إعادة هذا اليوم والتزم بعبادات رمضان وسنضمن لك أن تزول البقع مع النوافل الأخرى إن كان لديك مشكلة أخرى اضغط الرقم ١)، وتضغط الرقم ويجيبك الناطق الآلي مجدداً: (عزيزي الصائم لضمان جودة المكالمة نطلب منك أن تكون صادقاً مع نفسك وربك فإن كنت موافقاً اضغط الرقم ٢)، وبدون تفكير تضغط ويرد عليك الناطق الآلي (شكراً لك ويرجى الانتظار).. تنتظر هنيهات وتحس الثواني وكأنها سنوات.. ويأتي الرد: (السلام عليكم صديقي الصائم، أرجو أن تجيب عن أسئلتي، حتى أستطيع مساعدتك في تنظيف البقع التي تلوث روحك ونحلل الرواسب التي تملأ قلبك وشرايينك).

ترد: (نعم سأفعل)، يقول لك: (في ثنايا ضميرك الذي يظهر لدي على الشاشة أنه لا يعمل ١٠٠٪، فهل سبق أن ظلمت إنساناً، أو افتريت عليه بالأكاذيب والشائعات أو أكلت لحمه في غيابه؛ لأنك لا بد أنك تعلم أن الفتنة أشد من القتل؟).

تتململ وتصمت فيذكرك الناطق الآلي: (عزيزي الصائم لضمان جودة المكالمة وعدم انقطاع الاتصال الرجاء الصدق).. تجيب باستحياء: (نعم)، يرد عليك الناطق الآلي: (وهذه أصعب أنواع البقع ولنضمن أن تزيلها غسالتنا الرمضانية الرجاء أن تتوجه إلى كل من ظلمته أو أسأت إليه أو قذفته أو افتريت عليه من الناس، وأن تطلب منه العفو والمغفرة ولتأخذ من صفقوا معك ليكونوا شهوداً على كلامك).

ترد وقد سالت دمعة على خَدَّك (وإن لم أجدهم أو لم يقبل منهم اعتذاري، فهناك من شوهتهم وقتلت أرواحهم بين أصحابي وسخرت منهم.. رباه ماذا فعلت؟).

يرد عليك الناطق الآلي: (عذراً عزيزي الصائم عليك أن تحاول وتسعى حتى تزول البقع والرواسب وإلا ستضطر إلى أن تقابل رب العالمين بروح متسخة نتنة وستقلل فرص المغفرة لديه، ونحن نضمن لك العفو؛ لأن كثيراً من الناس يهمه أن يخرج من الغسالة الرمضانية شفافاً براقاً وعطر أخلاقه يملأ الأرجاء، حاول حتى تخفف من اتساخ روحك وتستفيد من مميزات غسالتنا الرمضانية.. وهذه الخدمات كلها مجانية ومكفولة الصلاحية).

ترد بامتنان وقد عقدت العزم: (شكراً لك وسأفعل).
يرد عليك الناطق الآلي: "حظاً موفقاً وستحظى بتهنئة من الملائكة في العيد عند خروجك من البيت مهللاً ومهنئاً ومغفرة من الله وأجر عظيم، تذكر إن طبقت تعليماتنا دائماً سنضمن لك نظافة مثالية، غسالتنا الرمضانية شعارها: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.