المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علياء كيوان  Headshot

حارات فيس بوك ١/حارة الإنوار

تم النشر: تم التحديث:

عندما إختار مارك إنشاء الفيس بوك، كان بهدف التعرف وتقريب المسافات وخلق عالم من المحبة والألفة وتبادل الحوارات والمعلومات وغيرها ، لكن مع توسع هذا الفيس بوك كالأخطبوط إمتدت أذرعه في كل مكان فأصبح عالم كبير لا يشبه عالمنا الأرضي ، بل دبت فيه الحياة وغدت لها متعة خاصة وفيه كافة المتطلبات الإنسان العادية ، حتى تحضير الأطعمة غدا على الفيس بوك وتزيينها وعرضها وتقديمها وأكلها ، حتي الأمور الخاصة والحميمة أصبحت على العلن وبدل من أن يتدخل الأقربون في عقد قران أو إصلاح ذات البين أصبحت العائلة الفيسبوكية هي الوجهة الأولى للجلسات العشائرية والقضائية.

ومن العجيب أيضاً إن عالم الفيس بوك أيضاً منظم كدول ودويلات وأحياء وأزقة ، وربما يجدر بالكتاب الروائيين النظر ملياًِ إلى التنوع العميق في هذا العالم ومدى التشابه النوعى مع العالم الخارجي .

فيا حبذا لو جاء نجيب محفوظ وهو يتكلم عن أحياء السيدة زينب أو شارع الهرم ، سيجد حارات فيس بوك ثرية بالشخصيات ، حيث كل شخصية رواية بأكملها ، أو لو أتى علاء الأسواني صاحب الرواية الشهيرة عمارة يعقوبيان ، سيجد عمارات وأبراج من الأحداث الغنية بالشخصيات والحبكات التي لا يقدر أعظم الكتاب على حبكها وتفكيكها.

وإني أدعوا من مقامي هذا إلى المخرج الفاضل بسام الملا أن يختار إسماً لمسلسل قادم لن يكون له نهاية أبداً وسيشهد تعداد حلقات يتفوق على المسلسلات التركية والمكسيكية وهي حارات فيس بوك .


حارة الأنوار


القرار هو بداية إنشاء حارة ، جلست سمسمة بعد أن أنهكها التعب من ليلة قضتها في الحانة راقصة ، إستيقظت بعد العصر ، حضرت قهوتها وأشعلت سيجارتها ، فتحت تلفونها الذكي وقلبت في صفحات الفيس ، أخبار ، طبيخ ، ديكور ، تجميل ، أطفال.... اووووف .. ملل ، جلست تبحلق في الشاشة طويلاً ثم خطرت لها فكرة ، لتكسر فيها الفراغ والملل ، فتحت مجموعة فيسبوكية بإسم حارة الأنوار ، وعينت نفسها الزعيم بإسم أم الخير وإتخذت من الواجهة الرئيسية للحارة ما يشير إلى الكمال والفضيلة ، وبدأ الأعضاء يتزايدون بالعشرات وفي كل زيادة تلقي خطاباً يجعلهم يخرون ساجدين شاكرين الرحمن أن أنعم عليهم بالزعيم أم الخير ، ولكن كأي حارة في العالم الخارجي يبدأ مرتاديها السهر بعد العشاء وبنفس الوقت تبدأ سهرات سمسمة ( أم الخير ) الراقصة ، لذلك عينت ياسمينة معاونة ونائبة ، وهكذا تكبر الحارة بساكنيها وتبدأ الوجوه الفيسبوكية المختلفة من كل الملل تتعارف وتتبارك بأم الخير ، ولكن عندما يدب الملل في هذه الحارة ، وتفكر أم الخير بإيقاد شرارة تستمتع فيها بالعراك واللطام بين الأعضاء فتدس شرارة تشعل وتر الطائفية ، ويفور البركان الطائفي تماماً مثل عالمنا الخارجي ويبدأ القصف بالألفاظ وتبادل الصواريخ الكلامية وتقاذف العبارات الرنانة ، أم الخير تدخن سيجارتها وتنفث الدخان عالياً مع ضحكة هيستيرية وهي ترى هذا التشاجر بالتعليقات ، تدخل لها ياسمينة وتقول لها : متى ستدخلين لإطفاء هذه النيران ؟ ، ترد أم الخير ، دعيهم يخرجون أحقادهم ، وإتصلي بأم الجلاجل لتدخل وتشعل النيران بلسانها القذر السليط .

وتدخل أم الجلاجل ويشتد العراك بدون دماء يستشهد فيها النبل والأخلاق والكرامة ، و لإن أم الخير أحبت أن تتسلى وتزيد من شعبية حارتها ويعلو شأنها بين الحارات المجاورة فيأتي من يأتي فازعاً محاولاً إخماد الحرب الأهلية بين الطوائف ولكن أم الجلاجل لم تترك أحداً من لسانها وهنا تدخل ياسمينة وتأمرهم بإنهاء هذه المهزلة وإلا أم الخير ستخرجهم جميعاً من جنتها.

وتنبههم إلى الإستماع إلى خطبة أم الخير المبجلة التي تبدأها قائلة : السلام على من إتبع الهدى وعلى رسوله وعلى أله وصحبة أجمعين ، أما بعد يقول الله تعالى

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }.... ،
كاد قلبي أن يتوقف عندما رأيت هذه المجزرة اللفظية من أعضاء أشرف الحارات الفيسبوكية ، نحن يد واحدة وقلب واحد ......وصلى الله وبارك وغفر الله لي ولكم .. إستغفروه يا عباد الله ... ، يصفق لها الأعضاء كالخراف الصغيرة ويهتفون قائلين .. تعيش وتحيا أم الخير وتبدأ الرسائل القلبية بالإرتفاع وأم الخير تنفث دخان سيجارتها بإختيال وتقول لنفسها الزعامة تليق بك يا سمسمة ، أنا هنا الملكة في حارتي الإلكترونية
... ولكن رنين هاتفها أيقظها وإنتفضت من صوت رئيسها في الخان يقول لها ... وينك يا بنت ال.... ، الزبائن صاروا بالقاعة ...
تهز خصرها بين الطاولات وفي عقلها تنسج حكايا وحكايا لأم الخير الزعيمة الروحية للحارة الفيسبوكية ..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.