المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علياء كيوان  Headshot

عمالقة من الوحل

تم النشر: تم التحديث:

في قديم الزمان، ليس ببعيد، كانت هناك بؤر للفساد والرذيلة والفتن، وكانت هناك دور للعبادة والعلم والكُتّاب والمضافة لتداول شؤون العشيرة والمنطقة.
كان كل شخص يرتاد بؤر الفساد التي تعددت أسماؤها ما بين غُرزة، ركن، خمارة، وكر و.. و..
(هو مكروه)

ومرتادو هذه الأماكن معرفون بسيماهم، ويشار إليهم بالبنان، وطبعاً هؤلاء المنبوذون في مجتمعاتهم، فلا يتزوجون من خيرة الناس ولا يؤمن لهم ولا يصدقون ولا تقبل شهادتهم .

تقدم الزمان قليلاً وبقيت هذه الأماكن كما هي لأصحابها ومرتاديها، وأصبحت مثل هذه الأماكن موجودة بكثرة في العالم الافتراضي، من فيسبوك وتويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي الكثيرة .

ولكن الفرق أنها أصبحت مسرحاً لرذيلة هؤلاء البشر يرتعون ويضربون فيما بينهم كؤوس المجد والفتن، ويصفق لهم بعضٌ من خيرة الناس، لأنهم ببساطة في عالم افتراضي، لا أحد يعلم عنهم سوى القليل القليل وأحياناً لا شيء، فيصبح هذا الحشّاش الذي لا يقوى أن يسند طوله في الحقيقة هو الإمام المبجل في المجموعات المغلقة، ويتبارك الناس به ويتمسحون بخيره وعطفه وربما يطلبون منه صكوكاً للغفران.

وتجد ذلك الفاسق الذي هتك عرض هذا وقذف هذه وأكل لحم آخر في الحقيقة، يصبح في مملكته المصون الشيخ العلامة، ينشد شعراً ويلقي خطباً عصماء ويبارك عقود الزواج ويصلح ذات البين.

وتضحك من راقصة تمضي لياليها تهز خصرها في الملاهي طيلة الليل وفي أوقات استراحتها تكتب على حائط الفيسبوك: الصلاة خير من النوم، حي على الصلاة .

وتجد إمعة لا يقوى أن يقف مواجهاً لنفسه يجعل من عالمه الافتراضي جيشاً يقوده ويفتح بلاداً منتصراً رافعاً سيفه الخشبي، ويحارب الأسماء الوهمية في عالمه، والأغرب من ذلك من يصدق هذا الدونكيشوت ويهتف به وبانتصاراته.

العامل المشترك بين كل هؤلاء أنهم شخصيات وهمية حتى على أرض الواقع، يفقدون الثقة بأنفسهم ومن حولهم، والذين يصفقون لهم يزيدون من تخبطهم وغرقهم بالوحل حتى آذانهم.

لذلك يا من تصفقون وتهللون وتضحكون في تلك الأوكار الفاسدة اتقوا شرور أنفسكم، فأنتم من صنعتم من الغبار عمالقة من الوحل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.