المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي خيري Headshot

درس سقوط حلب

تم النشر: تم التحديث:

النار تأكل في قلبي، لا يغذيها إلا العجز عن نصرة أهلنا في حلب، ولا يؤججها إلا الخذلان الذي وجدته هذه المدينة العزيزة على قلب كل مسلم وكل عربي، الصور تنهمر علينا كالصواعق، التي تنير لنا الحقائق لبرهة، ولكنها لا تترك إلا الحرائق المدمرة في قلب أي إنسان.

حكامنا شركاء في هذه الجريمة؛ إما بالصمت المتخاذل وإما بالتواطؤ الخسيس، فالبعض منهم يرى أن الوضع السوري يعتبر بمثابة فزاعة مثالية لأي شعب يجن في عقله ويطالب بالحرية، والبعض الآخر يهدد شعبه بصورة مباشرة عن طريق إعلامه الذي يقول في كل مناسبة: "أليس الفقر أفضل من أن نصبح كسوريا؟"، وآخرون اختاروا الصمت المطبق المتجاهل، وكأن الأمر لا يعنيهم تماماً.
الفصائل المقاتلة التي عوَّل عليها الجميع في نصرة الشعب السوري، كانت صاحبة النصيب الأكبر في الخذلان، ففي خضم الكارثة وجدنا صراعات صبيانية بين هذه الفصائل (قتال متبادل اعتقالات) وأسباب هذه الصراعات إن لم تكن واضحة جداً، إلا أن الواضح أنها أسباب أبعد ما تكون عن مصلحة الشعب السوري، وبالطبع مصلحة الدين الذي يرى بعضهم في نفسه أنه حامي حماه.

الأهداف الكبيرة الهلامية غير المحددة كانت هي السبب الرئيسي في وجود هذا الخلل البنيوي في الثورة السورية، لا أعرف لِمَ لَم يجتمع كل الثوار تحت لواء واحد؟ ألا يكفيهم أن يجتمعوا على هدف القضاء على الطغيان والدكتاتورية الأسدية التي حكمت وطنهم لعقود، وبعد ذلك يتركوا أمر الأيديولوجيا التي ستنبني عليها الدولة السورية فيما بعد الطاغية في يد الشعب السوري كله يختار منها ما يشاء.

يجب على كل الثوار أن ينسلخوا -ولو مؤقتاً- من أيديولجياتهم، ويكتفوا بالثورية منهجاً، وبمكافحة الطاغية سبيلاً، حتى إذا وفقهم الله للوصول إلى هدفهم، ووضعت الحرب أوزارها بسقوط الطاغية، رجعوا إلى شعبهم وأسلموه قياد دولته، وحكموه في اختيار الطريقة التي يريد أن يحكم بها نفسه.

فأنا لا أظن أن الثائر الذي يحمل روحه على كفه لمجابهة الطغيان، يخطط أن يفرض على بني وطنه فكراً معيناً بعد نجاح الثورة، وإلا فإنه يكون قد أزال طاغية لينصب آخر مكانه، ولكن تحت غطاء الثورية.

توحدوا تحت غطاء الثورة فهي خير جامع، وثقوا أن شعبكم شعب واعٍ يعرف مصلحته بنفسه، وإن لم تفعلوا فاعلموا أن حلب لن تكون الأخيرة، اعلموا أن ما فرق بينكم في حلب ودفع بعضكم إلى رفع السلاح على البعض الآخر سيفرق بينكم في إدلب وغيرها وغيرها، التفتوا إلى ثورتكم، وقوا أنفسكم وأهليكم نار الفرقة التي أحرقت أهلنا في حلب من جراء تفرق الفصائل وقوة بأسها بينها، بعدما كانت مسيطرة على المدينة بأكملها.

أرجوكم لا نريد أن نجلس ونبكي على أهلنا في إدلب كما نبكي الآن على أهلنا في حلب، لا نريد أن تنفطر قلوبنا وتحترق كما هي الآن، أرجو أن نتعلم الدرس من سقوط حلب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.