المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي خيري Headshot

جيل سلطاني فريد

تم النشر: تم التحديث:

كنت قد تحدثت في تدوينة سابقة بعنوان شيوخ المقت عن علماء السلطان، الذين يسبّحون بحمد الطواغيت، ويحللون قطيعة الرحم، وظلم الضعيف، ومحاربة من ينصر الحق.

وقد صدق الإمام الحسن البصري عندما قال: "لا تزالُ هذه الأمَّةُ تحت يدِ اللهِ وكنفِه ما لم تُمالئْ قُرَّاؤُها أمراءَها".

وأود أن أتكلم في السطور القليلة القادمة عن نتاج هؤلاء الشيوخ في مجتمعاتنا، فهؤلاء الشيوخ لم يكتفوا بالدور الخطير والمزري الذي لعبوه في حياة الأمة، بل إنهم ربّوا لنا أجيالاً من الشباب يحسبهم الجاهل علماء من تمسكهم بمظهر أهل العلم والدين، والدين في الحقيقة لا يجاوز مظاهرهم، الحق عندهم يدور وجوداً وعدماً مع رأي السلطان، فما رآه حقاً فهو الحق الواضح، وما رآه باطلاً فهو الضلال الفادح.

جدالهم التشاتم، ونصيحتهم الفظاظة، إذا أضاءت شمس الحرية في مكان تجدهم يتوارون في ظل الطغاة، سماؤهم أحذية طواغيتهم، وأرضهم فتاوى شيوخهم التي فُصّلت خصيصاً لتناسب الطاغية الذي يدفع أكثر، هؤلاء الشيوخ الذين يلقنونهم أن الذل للحاكم من طاعة الله، وإن ألهبت سياطه الظالمة ظهور الشرفاء، وامتلأ بطنه من أموال الأمة المحرمة.

إذا تكلمت عن الحرية سلقوك بألسنة حداد، وإذا نقدت الاستبداد كشّروا لك عن الأنياب، بل إنهم سينسون مظهرهم المتشبه بأهل التقوى والصلاح -فقط المتشبه- ويبادرونك بالسباب، فتصبح عندهم مستباح العرض، وعند بعضهم مستباح الدم أيضاً، فهم عندما يدافعون عن الطغاة إنما يدافعون عن سبب وجودهم وأصل نشأتهم.

وإذا كان الصحابة الكرام -رضي الله عنهم وأرضاهم- قد تربوا تربية قرآنية خالصة، حتى إن صاحب الظلال أفرد لهم فصلاً في معالمه، وسمّاه جيلاً قرآنياً فريداً، تبعاً للصفة البارزة التي تحلى بها هذا الجيل الذي نجح في حمل شعلة الإسلام المباركة إلى معظم أرجاء المعمورة، فإنني أرى أن في هذا الجيل الذي تخرج من تحت أيدي شيوخ المقت جيلاً سلطانياً فريداً، نجح هؤلاء المشايخ في إلباسه ثياب الشيوخ بعد أن ألبسوا عليهم دينهم، وشوّشوا عقولهم بفتاواهم مدفوعة الأجر، التي ملأت قلوبهم بالحقد على مخالفيهم، وصوّرت لهم أنهم هم الفرقة الناجية، صاحبة الحق المطلق في الحياة، والتحدث باسم الدين.

هذا الجيل السلطاني الفريد، هو الذي اعتمدت عليه الثورات المضادة في كل بلدان الربيع العربي، لإيهام الناس أن محركي تلك الحركات التي تكاد أن تقضي على كل مكاسب ثورات الربيع العربي، وتريد أن تبعث الحياة في الأنظمة المتعفنة التي قضت عليها ثورات الربيع العربي، لا يحاربون الدين، وإلا لما وقفت معهم تلك اللِّحى الطويلة، ولا هذه الجلابيب القصيرة.

ولم يقتصر الأمر في بعض بلدان الربيع العربي التي ابتليت بسيطرة الثورات المضادة على مجرد المساندة الإعلامية أو التثبيطية -كمصر- بل إن بعض أتباع شيوخ المقت حملوا السلاح ضد من خالفهم، وأراقوا دماء مخالفيهم بدم بارد أمام الكاميرات، وما مداخلة ليبيا أتباع حفتر الذين ارتكبوا أبشع المجازر على الهواء مباشرة عنا ببعيد.

ومن أكثر الأشياء التي تثير استغرابي وحيرتي ذلك التناقض الذي تقوم عليه أدمغة هذا الجيل السلطاني، ففي الوقت الذي يتقبلون فيه بحب وأريحية ظلم حكامهم، ومخالفاتهم الشرعية الفاضحة، تجدهم يبغضون أهل الحق والصلاح بغضاً شنيعاً غير مبرر، ويقعدون لهم في كل مرصد، يحصون عليهم أنفاسهم، علهم يجدون لهم غلطة، فيؤولون كل تصرفاتهم على نيتهم الخبيثة، ويبدأون في التشنيع عليهم في كل صغيرة وكبيرة، فتنقلب دروس علمهم لدروس في علم السبّ، وهي مرجع مفيد بالمناسبة لمن أراد التعمق في علوم الشتم.

أعود فأقول: إنه لولا شيوخ المقت الذين اتخذوا من مداهنة الطغاة وتجميل صورهم بإسباغ الشرعية على طغيانهم مهنةً لهم، ما رأينا هذا الجيل السلطاني الفريد الذي يجوس خلال شاشاتنا، ويعتلي منابر مساجدنا، ويحارب أي طلائع لفكر الحرية التي نادى بها ديننا الحنيف.

رحمنا الله من شيوخ المقت ونتاجهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.