المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي جعبور Headshot

#الفشل_علمني | أنا هذا الذي ترون

تم النشر: تم التحديث:

كنت، في ما مضى إسلامياً متشدداً بلحية لا بأس بها. كنت أهيم بالحور العين والجنة وأحلم بالاستشهاد في سبيل الله، وها أنا ذا أصبحت علمانياً ببطاقة حزب إسلامي، أحب الحياة والموسيقى والشعر والرواية ومارلبورو.

لم يعد يغريني سيد قطب ولا ابن تيمية ولا القرضاوي ولا العريفي ولا أي واعظ آخر بعد أن قادتني غواية القراءة إلى العوالم السحرية لهمنجواي وميلان كونديرا وتشيخوف وتولستوي وبرتراند رسل ونصر حامد أبوزيد وغيرهم.

قد يرى البعض في ذلك تغيراً للأحسن، وقد يراه البعض للأسوأ، أما أنا فأرى جيداً طريقي الذي أسير فيه الآن وحسب.

لقد نسيت أشياء كثيرة وعرفت أخرى، لكنني مازلت أذكر أن أمي كانت تنظر بشفقة إلى لحيتي متدلية من وجهي كمكنسة الدوم.

أنا هذا الذي ترون..
لديّ قرية جميلة وبيت صغير ومكتبة بداخل البيت وفئران كثيرة وصراصير وخنافس وعناكب وسحالي بلا عد تسكن معي في ذات البيت، لديّ أحجار وطين وأصيص حبق وليل موشّى بالنجوم وهواء نظيف وحقل ذرة شاسع وسماء ممطرة وقطة وديعة وكلبان. أنا ثري جداً، أملك كل هذا ولا أملك وطناً. وبالأصح لا أريد أن أملكه أبداً. إن كلمة "وطن" هذه تشعرني بالغثيان، إنها لا تأتي، غالباً، إلا مقترنة بالدماء والجثث والخراب والحروب.

كان لي أستاذ وأخ وصديق يدعى حمود، كان من ذلك النوع الذي لا يمكن أن يحقد عليك مهما فعلت، كان يبتسم لي كلما لقيته فأشعر أن ابتسامته بلسم حقيقي، لكنه فقد حياته في الحرب.

ستكبر طفلة أخي حمود دون أن تتذوق طعم الأبوة وسأظل أبحث في كل الوجوه ولن أجد ابتسامته، آه ما أقبح الحرب..

لا أعلم كيف للإنسان المسالم الودود أن يغدو محارباً، رغم أنني اقتربت كثيراً من إحدى هذه الحروب التي لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد. كانت تجربة مسلية، مثيرة ومرعبة في آن. كنت مستهتراً ولطالما "فسبكت"، غنيت، نعست، ونمت في المترس والرصاص يئز فوق رأسي والمدفعية تنبح باطراد من كل اتجاه.

كان الدكتور مروان الغفوري، في ألمانيا، ينشر رسالتي بصفحته ويخاطب أصدقاءه بالقول: "صلوا لأجل هذا التكفيري الذي أراد أن يكون معلماً فحوله البرابرة إلى محارب في الجبال"، وكنت، في أعلى الجبل، أركن بندقيتي جانباً وأقرأ من شاشة هاتفي المكسورة فأطمئن. كان الوقت رمضان: الأكل شحيح والتسليح ضعيف والبرد قارس، وكان القادة ينصحوننا بالإكثار من الذكر ويتراجعون للخلف، إلا أنه، أي الذكر، كان سلاحاً عديم الجدوى، إذ لم يمر وقت طويل حتى أحاط بنا الأعداء..

غادرت مدينة عمران قبل سقوطها بليلتين رفقة أسرة نازحة، وكان إلى جواري كهل سبعيني في زي شعبي أنيق، سألته أن يخبرني عن ديار اليهود فأشار بسبابته: "من تبقى منهم يسكن في تلك القرية". كانت قرية هادئة وادعة، فتمنيت أننا كنا جميعاً يهوداً.

لا أدري لماذا لم أقترف الموت حينها رغم أن كثيرين فعلوا ذلك، ربما لأنني لم أكن أملك من الشجاعة ما يكفي لحمل لقب شهيد، وربما لأن أمي بكت كثيراً حتى روت شجرة عمري بدموعها فاخضرت في وجه الرصاصات الكالح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.