المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مصطفى علي حسون  Headshot

معادلة رياضية سنية شيعية

تم النشر: تم التحديث:

كثيرًا ما نسمع عن الخلاف بين السنة والشيعة، وبالأخص في السنوات الأخيرة بعد دخول الأمريكان للعراق.
هناك أسباب عديدة ومتجذرة لهذا الخلاف, فهناك العامل السياسي الذي يعتبر الأهم, فكثير من الدهاة يستغلون بلادة الناس لتأجيج نار الطائفية وقتل المخالف فقط من أجل الحكم أو المصلحة منذ صفين والجمل إلى يومنا هذا, وهناك عوامل نفسية كالتعصب الذي ينتشر خاصة في البيئات الاجتماعية المتخلفة, وهناك عوامل تاريخية تراثية وغيرها.

لن نتحدث هنا عن هذه العوامل، لكن سنتحدث عن جوهر الخلاف -كما نراه نحن- وهو الحطب الذي يستخدم دائمًا لإشعال تلك النار, وهو الخلاف على الموقف من أشخاص الجيل الأول. جزء كبير من هذا الخلاف هو صراع على الصحابة وأهل البيت, فيُطرح سؤال: من أولى بالخلافة؟ ومن الأفضل؟ ومن وصى به النبي -صلى الله عليه وسلم؟ وغيره..

والخلاف حقيقة هو ليس على كل الصحابة أو كل أهل البيت, لكن الخلاف في أسماء قليلة محددة كأبي بكر الصديق, وعمر بن الخطاب, وعثمان بن عفان, وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

لو تغاضينا عن الخلاف بين علي ومعاوية بحكم أنه خلاف ثانوي مقارنة بالخلاف على الخلافة الأولى, ولو تغاضينا عن فتنة عثمان بحكم ألّا خلاف عليها كبيرًا بين الطرفين, كما يمكن التغاضي عن الموقف من علي بن أبي طالب بحكم أنه مقبول ومحبوب عند الطرفين. لو تغاضينا عن كل ذلك فسنجد أن جوهر الخلاف هو في شخصيتين اثنتين أبي بكر وعمر,. و إذا أمعنا التركيز جيدًا فإن الخلاف على أبي بكر الصديق ليس خلافًا جوهريًّا, بل لا تكاد تجد انتقادات كبيرة تذكر عنه, فيبقى الخلاف في عمر بن الخطاب, حيث يتهمه الشيعة أنه ارتكب أخطاء وأنه ليس بالمقام الذي وضعه فيه أهل السنة, وأنه أساء لأهل البيت وغير ذلك من الاتهامات, وهذا ما يسبب قطع الرقاب من الطرفين منذ أكثر من 1400 سنة, فالشيعي يسمي السني ناصبيًّا بحكم عدائه لأهل البيت أو ولائه لعمر بن الخطاب الذي أساء لأهل البيت, والسني يسمي الشيعي رافضيًّا يبغض عمر بن الخطاب ويرفض صحبته وخلافته, وكلٌّ يدافع عما يراه هو صوابًا.

لكن هل هذا فعلًا مشكل حقيقي؟
بحكم تخصصي الهندسي, فإني أحب الغوص في أعماق الأمور, وتحليلها وتفكيكها ثم إعادة تركيبها. لذلك دعنا نحلل هذا الجزء من الخلاف الذي توصلنا إليه.

لنفرض أن المذهب السني يتمثل في حب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه كما سلف الذكر-, ويمكن أن نمثله رياضيًّا على شكل معادلة من الشكل:
y= function(x)
فيصبح لدينا:
Sunni = Love(Omar)
ولنفرض أيضًا أن المذهب الشيعي يتمثل في بغض عمر:
Shia = Hate(Omar)
أو بشكل آخر:
Shia = - Love (Omar)
لو توقفنا عند هذا الحد فإننا نستنتج مما سبق أن السني هو ضد الشيعي وأنهم مختلفون اختلافًا جوهريًّا في دينهم بحبهم أو بغضهم لعمر, وهذه هي القاعدة التي يتمسك بها من يقاتلون باسم الدين ويقطعون الرقاب نصرة لعمر أو نصرة لأهل البيت, كل حسب ما وصله من تراثه.

لكن لو غصنا أكثر في عمق هذه المعادلات البسيطة, فإن حب أهل السنة لعمر بن الخطاب, هو حب للقيم التي تتوفر في عمر, حسبما هو موجود في المعلومات الواردة عن تراثهم, فعمر رجل العدل والصدق والإيمان.

أما الشيعة فيبغضونه للقيم التي يحملها حسب تراثهم الواصل إليهم فهو رجل الظلم والقسوة. وهذا هو حال الإنسان السوي, فيحب الشخص الحامل لقيم وأخلاق طيبة, ويبغض أو لا يحب الشخص الحامل لقيم وأخلاق سيئة.

أي أن: Love(x) = Love(Values(x)) و Hate(x) = Hate(Values(x))
فتصبح المعادلات السابقة كالتالي:
Sunni = Love(Values(Omar))
و
Shia = Hate(Values(Omar))

وكما نعلم أن القيم التي يحملها عمر حسب التراث الشيعي قيم سيئة (الظلم, القسوة,...) وهي تمامًا عكس القيم التي يحملها عمر حسب التراث السني التي هي قيم جيدة (العدل, الرحمة,...) فيكون لدينا:
Values(Omar(Sunni)) = - Values(Omar(Shia)) = + PositiveValues = - NegativeValues

فيصبح لدينا حسب المعادلات السابقة أن:
Sunni = Love(PositiveValues)
و
Shia = Hate (NegativeValues) = - Love (NegativeValues) = - Love( -PositiveValues) = Love (PositiveValues)

فنستنتج المعادلة الأخيرة:
Sunni = Shia = Love (PositiveValues) = Hate (NegativeValues)

هذه المعادلة الأخيرة لا تقول أن المذهب السني والمذهب الشيعي متماثلين بل تقول أن السنة والشيعة لا خلاف بينهم في هذه القضية على مستوى القيم, فالسني أحب عمر للقيم الجيدة التي وصلته عنه, والشيعي يبغض عمر للقيم السيئة التي وصلته عنه, ولو وصلته قيم جيدة عن عمر لأحبه كما أحبه السني, والسني لو وصلته قيم سيئة عنه لأبغضه كما يبغضه الشيعي.

هذه العمليات الرياضية البسيطة, نستطيع أن نستنتج منها أن هذه النقطة هي أبسط من أن يختلف حولها, بل يجب أن نتعامل على أساس القيم التي يحملها, بغض النظر عن المعلومات الواردة إلينا, لأن المعلومات يمكن أن تكون صحيحة كما يمكن أن تكون خاطئة لأنها من معلومات التاريخ التي يمكن أن تتأثر بظروف الزمان و المكان. فتراثنا مختلف وشابه ما شابه ولعبت السياسة لعبتها وأفسدت ما أفسدت, فلن تستطيع اليوم أن تقنع شيعيًّا بعكس ما وصل إليه من تراثه, ولن تستطيع أن تقنع سنيًّا بعكس ما وصل إليه من تراثه, لكن القيم لا يمكن أن تتبدل فهي قيم ثابتة عالميًّا, ويمكن أن نفرق بها بين الإنسان الخير والشرير.

هذا الخلاف بين التراثين الواصل إلينا هو لب المشكل, ويحتاج كل طرف إلى مراجعة موضوعية وعلمية لتراثه بعيدًا عن التعصب, وهذا ما يمكن أن يحل الصراع جذريًّا, ويعود بنا للإسلام المحمدي الأصيل وللتاريخ كما كان لا كما نريده أن يكون.

لكن بما أن مراجعة التراث عند الطرفين أمر عسير وطويل, وفي انتظار أن يقتنع الطرفين بضرورة المراجعة وأن تأخذ هذه المراجعات مجراها وتؤتي أكلها, فمن العقل أن نفهم هذه القضية وأن يتعامل الطرفان على مستوى القيم لا على مستوى الأشخاص, فهذا كفيل أن يخفف بشكل لافت حدة الصراع.

أخيرًا أقول: إنه لمن البلادة الصراع حول أشخاص قضوا إلى ربهم قبل مئات السنين, فعلينا أن نسمو إلى مستوى القيم والأفكار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع