المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي حسن الغباشي Headshot

الخطيب ورفاقه.. نزيف وطن مسلوب

تم النشر: تم التحديث:

"يرفض عقلي التفكير في أن أموت هنا بعيداً عنك يا أمي.. أخاف أن أموت وحيداً وسط أربع حيطان"..بهذه الكلمات، بسيطة الألفاظ، عميقة الأثر، بعث الطالب المعتقل أحمد الخطيب برسالة إلى والدته يحكي فيها مشاعره المختلطة بعد أن أنهكه مرض مميت نادر، لم يشفع له عند من تحجرت قلوبهم وفَقدوا إنسانيتهم؛ للحصول على حقه في العفو الصحي، أو حتى السماح بالعلاج المناسب لمثل حالته الخطيرة.

لكن المبكي في الأمر هو أن الخطيب تحول من شاب طموح يحلم بمستقبل زاهر وبحياة كريمة ووطن متقدم، إلى مريض يصارع الموت، أمنيته الوحيدة أن يموت وسط أمه وإخوته.. ياااه لهذا الحد وصل الحال بشباب مصر! بطلابها فلذات أكبادها.. أهكذا تفعل سلطة العسكر في عُدة مصر للمستقبل؟! تقتل فيهم الأمل في كل شيء.. في العمل والنجاح والسياسة، حتى حب الحياة قتله العسكر.. فيتمنى الخطيب الموت فقط بجوار أمه! فسحقاً لنظام يتمنى شبابه الموت بدلاً من الحياة.

أحمد عبد الوهاب الخطيب، ذلك الشاب الصغير (22 عاماً) هو نموذج مصغر لحال آلاف الشباب المصري القابع في غياهب السجون، يدرس أحمد بالفرقة الرابعة بكلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة 6 أكتوبر، وعقب عودته من تركيا في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2014، بعد المشاركة ببرنامج دراسي هناك، تم القبض عليه من وسط السكن الجامعي بمدينة الشيخ زايد، وتم إخفاؤه قسرياً لمدة أسبوع، ثم ظهر بعدها بقسم شرطة الشيخ زايد، وتنقل ما بين سجن الاستئناف إلى سجن طرة للتحقيق.

ومثل كثير من المعتقلين في زمن العسكر، احتجز "الخطيب" على ذمة القضية لمدة عام ونصف، ثم حكم عليه بالسجن المشدد 10 سنوات، وغرامة 100 ألف جنيه، بتهمة "الانتماء لجماعة محظورة".

هكذا وبكل بساطة يستهين جنرالات العسكر وممثلوهم على منصات القضاء بمستقبل شاب بريء، لم يرتكب جرماً ولم يفسد وزارة، ولا أهدر مقدرات وطنه ولا أوغل في دماء مواطنيه، ولا ضرب بأصوات شعبه عرض الحائط، ولا داس بمجنزراته أجساد العزل الساجدين، ورغم ذلك يتعاملون مع الشاب المهذب النابغ بكل غلظة وقسوة، نقيض تعاملهم مع عتاة المجرمين والقتلة.

معاناة الخطيب بدأت منذ سبعة أشهر كاملة، لم تحرك فيها سلطات السجن ساكناً لإنقاذ حياته، مما دفع نشطاء وحقوقيين للقيام بتنفيذ عدة حملات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لإقناع سجانيه بالسماح له بإجراء الفحوص المطلوبة، التي جاءت بنتائج صادمة عن حالته المرضية، وعن أحوال سجون مصر التي أصبحت ملتقى شبابها في زمن العسكر!

وأخيراً وافقت السلطات على إجراء الفحوص؛ حيث أظهرت إصابته بمرض نادر هو "طفيل الليشمانيا الحشوية" الذي يتسبب في تضخم الكبد والطحال وارتفاع الحرارة وفقدان الشهية ونقص الوزن، والآن يقبع الشاب مقيداً من أطرافه الأربعة على سرير بمستشفى حميات العباسية، الذي لا يتوفر فيه العقاقير المضادة لمرضه.

منظمات حقوقية كثيرة تضامنت مع الخطيب وضجت بالشكوى، لكن الأذن العسكرية الصماء هيهات أن تسمع أو تعي، فهذه منظمة "هيومان رايتس مونيتور" تحذر على لسان مسؤولة الملف المصري بها سلمى أشرف من تكرار حالة الشاب مهند إيهاب الذي توفي في أحد مستشفيات نيويورك بعد إصابته بالسرطان في سجون مصر والإفراج عنه في حالة متأخرة.

وعبَّرت منظمة "هيومان رايتس مونيتور" عن تشككها في أسباب مرض المعتقلين، وقالت إن "الكثير من المعتقلين كانوا أصحاء قبل دخولهم المعتقلات بشهادة ذويهم إلا أنهم أصيبوا بأمراض خطيرة نتيجة لسوء أوضاع الاحتجاز".

الخطير أن المنظمة كشفت عما يمكن أن يعتبر سياسة قتل ممنهج للمعتقلين بسجون النظام، فقد قالت المنظمة إن المعتقلين يتلقون رسائل تهديد من الضباط بأنهم سيموتون ويتعفنون داخل السجون، وإن خرجوا فسيخرجون إلى مستشفيات ليلفظوا أنفاسهم الأخيرة فيها، أي عقول وقلوب تلك التي تتكلم بهذا المنطق مع أسرى عزل! يا لها من قلوب أقسى من الحجر وأبعد ما تكون عن صفات بني البشر!

وأنا أكتب هذه الكلمات وحتى تصلكم لا أدري هل سيكون الخطيب على قيد الحياة أم يكون فارقها؟! غير آسفٍ على وطنٍ مسلوب تحول لسجنٍ كبير لجميع مواطنيه، باستثناء بعض الفاسدين في الجيش والشرطة والقضاء وقليل من إعلاميي النظام ورجال أعمال صنعوا على أعين أجهزة الاستخبارات!!

قصة الخطيب لا تختلف كثيراً عن قصة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان المسلمين، الرجل التسعيني، الذي لم يشفع له تاريخه في النضال الوطني ضد الاحتلال البريطاني، ولا قامته السياسية والرمزية للوطن، وتتعنت السلطات في منحه أيضاً حقه في العفو الصحي، رغم مصارعته لمرض السرطان وإصابته بكسر في الفخذ وفق ما أكدته ابنته علياء.

ما يطمئن القلوب أن الحياة والموت بيد واحد أحد لا شريك له، فلربما كانت حياة الخطيب ورفاقه أطول -بإذن الله- من حياة سجَّانيه، ويكون مرضه سبباً في كسر قيوده، ويتم الله شفاءه على خير، ويسعده حتى يحقق كل أمنياته، ويخذل الله الذي يقول للشيء كن فيكون كلَّ من تعنت وظلم الخطيب وعاكف ورفاقهم..وما ذلك على الله بعزيز.. وإن غداً لناظره قريب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.