المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي حسن إبراهيم Headshot

إنّي وبي عزم الرجال "أبُ"

تم النشر: تم التحديث:

يقول الشاعر بلسان حال الأبوة التي تتوق للأبناء:

هيهات ما كلّ البكا خورٌ ** إنّي وبي عزم الرجال أبُ

وبهذا البيت الأخّاذ ختم الشاعر الرقيق، صاحب المشاعر الدفاقة عمر بهاء الدين الأميري، رحمه الله تعالى، قصيدته الأخاذة "أب"، وهي من عيون الشعر وروائعه، وكم مررت عليها في سالف الأيام، وما كانت تثير في نفسي إلا جمال اللغة والأنس بالقصيد، ولم ألتفت يوماً لما تحمله من شجنٍ خاص، وإلى ما تحتويه من كوامن نفس الوالد، وعذب ذكرياته مع أطفاله، وصورهم حوله ومعه.

ولكنّني، ومنذ عامين لي معها شأنٌ مختلف، فمن حينها ولا أمرّ على أبياتها إلا بدموعٍ سحساحةٍ وقلبٍ أسير، أقلّب أبياتها وما في جسدي خليةٌ إلا وهي تميد مع معانيها ورقة التحنان فيها، وعلى حال ذلك الأب الكسير، فقد فرغ عليه منزله، وأقفرت داره من مشاغبات الأطفال وقطع لعبهم، وتلك الفوضوية المحببة التي يزرعونها في كلّ شبر ومساحة.. ونفس الأب المتألمة من غيابهم وعدم سماع نداءاتهم وضجيج حركتهم.

وكيف لا أقع أسيراً في حب هذه القصيدة، وقد رشفت من كأس الأبوّة الأثير، وما برحت من وقتها عن منادمة هذه الأفياض الدفاقة من المشاعر، وها أنا اليوم أرى بنيتي الصغيرة قد أصبح لها من العمر عامين، مرّا ولم أعرف كيف تتسلل اللحظات من أيامي، فكانا كرفّة عين، وخفقة قلب.

عامان مرّا لم أجد تفسيرها ** ووجدتُ فيكِ لشأنها تأويلا

2017-07-05-1499260991-5073169-IMG20160821WA0074.jpg

عامان وتلك البركة تحفّ جوانب المنزل، وتزرعه بألقٍ لا يخفى، ورونق طاغٍ لا يغيب..
عامان وابتسامتها اللدنيّة تشرق على نفسي في كل صباح، فتجلي ما علق بها من أدران الأمس، ومع ذلك الإشراق السماوي، تلامس بصوتها العذب شغاف فؤادي، وهي تصرخ وتردد "أبي"، فيكون الصباح الأجمل والأعذب بلا ريب.

عامان وصوت ضحكاتها نغمٌ يُعزف على وتر المحبة، فهو لي كتغريد طيرٍ بين أفنان وروض، وما زادني السماع إلا "تواجداً".

عامان أراقبها تنبت بين يديّ، وتزهر طفولتها بين جنبات نفسي، فتكبر معها آمالي، وأشارك نبضها الرقيق في ثنايا شراييني، وما نبض قلبها إلا دقات قلبي.

عامان وعرفت كيف ومتى ترتسم ابتسامة فرحها على محيّاي، وكيف تكون سعادتها مصدراً لبهجة جميع من حولها، فأضحك مع لعبها، وأفرح بملابسها الجميلة.

عامان والقبلة على وجنتها تربيتٌ على كتفي، وعناقها توقير لأحلامي الماضية والآتية، وما هي إلا بضعة مني أو يزيد.

عامان وبدأت ترسم بحروفها أسماء من حولها، وتشكل لهم نداءاتٍ خاصة بما ترضاه وتحبه، فهي تعرف "علياً" ولكنها لا تناديه إلا "أبي" أو "بابا"، ولخالاتها اسم واحد لا يتغير، وجدتها "تيتا"، وفي زحمة الأولاد تنادي مثلهم كيف ما اتفق.

عامان ولها طاقةٌ متجددة وحيوية لا تفتر، وحركة دؤوبة لا تملّ... ومع طول الشغب وكثرة الحركة، تستطيع أن تشوقنا إليها مجدداً، بعد دقيقةٍ واحدة من نومها، وهي الملائكية في محياها ورسمها.

عامان.. كيف لي اختصارها واستيعابها، في كليمات قليلة وعبارات مرسلة، وتلك العروة لا تزيد في قلبي إلا تمكيناً.. وهي كما يقول الأديب الكبير أحمد حسن الزيات: "وذلك كله انعكاس حياةٍ على حياة، وتدفق روح في روح، وتأثير ولدٍ في والد!".

جودي ذلك الضيف الأجمل الذي آنس نفسي في اليوم الأخير من شهر يونيو/حزيران، في صباحٍ يوم رمضانيٍ رائق، ولكنه كان يوماً شديد الصعوبة والاضطراب، فنيران الحمّى تجتاح بدني وتقض مضجعي.. ومع أن المرض منعني أن أعقد معها لقاءنا الأول، وأن أهمس لها نداء التوحيد، وألثم كفيها الصغيرين.

ولكن جودي استطاعت أن تهزّ في داخلي جذعاً عصياً، فأورق وأثمر.. وتساقط منه لها الوجد جنياً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.