المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي شاكر Headshot

بين كاظم الساهر وزهاء حديد.. فن أحبه وفن أحترمه

تم النشر: تم التحديث:

الكثير قد قيل عن الفنون ودورها في حياة الانسان وقدرتها على إعادة تشكيل وعيه وإحداث تغيير ملموس في واقعه، آلاف الكتب تناولت الموضوع وأشبعته بحثاً من زوايا مختلفة، وتحليلاً تفاوت في جديته وقيمته من مؤلف لآخر وباحث لآخر.. في جامعة بغداد حيث درست العمارة في التسعينيات، علمنا أساتذتنا أن العمارة تعد أم الفنون، فهي جامعة في ممارستها للعلم والفكر والإبداع الجمالي ويمتد تأثيرها ليشمل صحة الإنسان الجسدية والنفسية وبالتالي السلوكية، تعلّمنا أيضاً أن للتصميم المعماري توجّهات ومدارس، منها ما يصر على استيحاء البيئة المحلية والتكامل معها، وأخرى تدعو لكسر الثوابت الفكرية والتقنية والشكلية وتحض على الانطلاق نحو آفاق رحبة من الحداثة والتجريب.

برج إيفل الذي يعد أهم معالم العاصمة الفرنسية اليوم أثار موجة عارمة من الغضب والازدراء بين الباريسيين زمن تشييده، فاعتبره كثيرون تشويهاً لا يغتفر لوجه المدينة العريقة وعمارتها، بل وخط سمائها أيضاً، الأمر ذاته تكرر مع دار أوبرا سيدني التي تعثر بناؤها وامتد لسنوات طويلة بسبب جرأة تصميمها وصعوبة إيجاد حلول إنشائية لتنفيذه.. اللعنات التي انصبت بالجملة على غوستاف إيفل الفرنسي وبيورن أوتزن الدنماركي لم تحل دون انضمامهما لركب المبدعين الخالدين وتحول تصاميمها، مثار الجدل، إلى أيقونات للإبداع البشري في القرنين التاسع عشر والعشرين يحج إليها ملايين الزائرين في كل عام من شتى أنحاء العالم.

شخصيا، أميل إلى المدرسة الأولى في تصميم المباني (السكنية منها على وجه التحديد)، واعتبر عمارة رفعت الجادرجي (العراقي) بانصهارها المبدع مع محيطها نموذجاً يحتذى في الفكر والتصميم المعماري، على الرغم من ذلك فإن مدينتي الافتراضية (المثالية) لا تمانع في استضافة صرح أو أكثر لمصممي المدرسة الأخرى، فالتنوع سنة الحياة، والانفتاح على الأفكار المختلفة وإبداعاتها ظاهرة صحية متحضرة... سمعت عن زهاء حديد للمرة الأولى عندما فاز تصميم لها بإحدى المسابقات العالمية، وبدأت الدوريات المعمارية تتناقل أخبار تلك السيدة عراقية الأصل، بريطانية الجنسية، التي تحولت إلى ممارسة التصميم المعماري بعد دراستها الرياضيات، وتطرفت مشاريعها في تحدي المعتاد والنمطي حتى راحت مدن العالم المختلفة تتسابق للظفر بصرح من تصميمها يكون معلماً فيها.

تصاميم حديد للمباني العامة من مراكر ثقافية ورياضية وعلمية تمردت على مفهوم الهوية والانتماء، وجنحت نحو عمارة كونية شبيهة بهيئة المركبات الفضائية والمنحوتات الحداثوية، فهي صادمة للمتلقي، ثائرة على السائد من المواد والتقنيات وحتى المقاييس، لكن يبقى تصميم الوحدات السكنية (برأيي) المحك الحقيقي لفكر المعمار المبدع، وهنا أجدني على مفترق طرق مع مجمعات زهاء حديد التي تتسم بالصرامة والسلطوية وتفتقر لحميمية العلاقة التي يفترض أن تجمع البيت بساكنيه... التجوال حول وفي داخل الصروح واختبار دهشة الفرجة عليها متعة للزائرين بلا شك، لكنني عندما أعود إلى بيتي في آخر اليوم، أتوق إلى الشعور بالدفء والألفة وهما ما تفتقدهما عمارة حديد السكنية، مع الأسف.

رحلت زهاء عن عالمنا مؤخراً لكن تصاميمها ستبقى شاهدة على إبداع، بل عبقرية تلك السيدة المثيرة للجدل من بلادي التي لم تنكر أصولها العراقية يوماً، لكنها أيضاً لم تكن تفضل التركيز عليها في لقاءاتها الإعلامية القليلة، بل كانت تصر على التحدث بالإنجليزية (رغم إجادتها العربية) حتى عندما يكون مُحاورها عربياً، كما في مقابلتها مع اللبناني ريكاردو كرم، قد يكون مرد ذلك غصة في قلبها مما سامها ووطنها وعائلتها من معاناة وجحود، وهو أمر أتفهمه تماماً بعد انضمامي إلى ركب عراقيي الشتات، في كل الأحوال ورغم تحفظاتي على نهج زهاء الحديد وفكرها التصميمي لا يمكن أن أنكر احترامي العظيم لها ولمنجزها المهني وفخري واعتزازي الكبير بها كامرأة عراقية صارت رمزاً عالمياً للإبداع، ونالت من الجوائز والتكريم ما لم تسبقها إليه سيدة أخرى، عربية أو أجنبية... زهاء حديد ومسيرتها (في نظري ونظر الكثيرين) نبراس أمل لملايين الفتيات المقموعات بسلطة التقاليد والأعراف التي تهمشهن وتستهين بقدراتهن وإبداعاتهن.

الأمل بالتحديد هو القيمة الأهم والأسمى، طوق نجاتنا المتبقي تحت وطأة العاصفة العاتية التي تجتاح بلادنا، تذكرت ذلك أو ذكرت نفسي به عندما أرسل لي صديق رابطاً لأغنية باللغة الإنجليزية لكاظم الساهر عن نص نثري مقتطع من كتاب جبران خليل جبران الأشهر "النبي"... بصرف النظر عن كل ما قيل عن عدم إجادته اللغة ونطقها، مشكلتي مع الساهر وسواه من المطربين العرب الذين يصرون على غناء نصوص منشورة ومشهورة بغرض ترصين مسيرتهم الإبداعية أنهم يخلطون بين فن كتابة القصائد وفن كتابة النصوص الغنائية، وهي ظاهرة تكاد تكون محصورة على العالم العربي، وأكاد لا أجد لها مثيلاً في الثقافات الأخرى، القصائد (شعرية كانت أو نثرية) تحمل موسيقاها ضمناً، ليست بحاجة إلى لحن إضافي أو غناء، هي أشبه بطبق فاخر من الحلوى ستؤدي إضافة المزيد من السكر أو الدسم إليه لإفساد توازن مذاقاته وتحويله إلى وجبة ثقيلة غير صحية ولا مستساغة.

قد أكون آخر من يحق له الحديث عن الموسيقى والغناء العربيين، فأنا من ذلك الجيل الهجين الذي نشأ على ترديد ألأغاني الشعبية الأجنبية، ولم يكن يعير المطربين العرب آذاناً مصغية بل كنا ننفر من أعمالهم ونجد فيها رتابة ومطاً لا يطاقان، استمر الحال كذلك معي حتى بدأت بتذوق الموسيقى الكلاسيكية في نهايات سنوات المراهقة، فكانت جسراً عبرت منه إلى روضة فيروز التي جمع فنها ثقافتي الشرق والغرب، ولعلي أدين لها (ولحنين المغترب وبحثه عن الجذور) في اهتمامي المتأخر بأرشيف الغناء في وطني الأم، لا أنكر خيبة أملي للحال الذي آل إليه اليوم فن الغناء بين فجاجة الإيقاع واللحن والكلمات وزعيق الأصوات المنفرة والاتجاه لمحو الهوية المحلية و"تخليج" الغناء العراقي سعياً وراء جني الأرباح الطائلة من الدول الشقيقة الثرية... أليست مفارقة أن إلهام المدفعي، ذلك الرجل السبعيني، أوروبي الهيئة، بصوته المبحوح وقبعته وغيتاره الإسباني هو أكثر المتواجدين حالياً على ساحة الغناء العراقي حرصاً على الحفاظ على الإرث وتطويره؟

على الجانب الآخر يقف كاظم الساهر بموهبة جلية لا يمكن أن تنكر، فالرجل متمكن صوتيا (وإن بالغ في استعراضه لقدراته أحياناً)، هو مبدع أيضاً في تأليف الموسيقى التي درسها لسنوات، له مقطوعات وأغانٍ جميلة عديدة، لكن هاجسه المتزايد بالملحمية والعالمية قد أخذ من هبته ولم يضف لها الكثير بنظري، كنت أتمنى أن يجنح للبساطة أكثر، فالقليل في الفن يعني الكثير، ذلك كان سر خلود أعمال الأخوين رحباني التي ماثلت في نقائها أناشيد الأطفال، فالتصقت بوجدان الناس، وقاومت عوامل التعرية عبر العقود، كذلك الأمر في عالم الموسيقى الكلاسيكية... البساطة وعدم الادعاء كانا سر عبقرية مؤلف شاب مثل موزار، عجز معاصروه عن التفوق عليه، وإن اتسمت نتاجاتهم بالبذخ والزركشة، لكن تأريخ الموسيقى لفظها سريعاً وأبقى على ألحان موزار السهلة بإعجاز حية نابضة حتى اليوم.

أختلف مع كاظم الساهر ولا أتذوق الكثير من أعماله، لكنني لا أملك إلا أن أحترم شخصه ومنجزه الفني فقد استطاع بصبر ومثابرة أن يتربع على عرش قلوب الملايين دون الخوض في وحول الرخص والابتزاز التي ابتلعت كثيراً من زملائه الآخرين، أحترم رصانة الفن الذي يقدمه على المسرح مع فرقة من الموسيقيين والمنشدين المنضبطين جيدي التدريب والأداء، أحترم منطقه في الحوار ونضوج آرائه في لقاءاته المتلفزة الأخيرة والتزامه بميثاق الفن المسؤول الذي يدعو إلى المحبة والسلام وتقبل الآخر المختلف في عصر الجنون الطائفي والعصبية العرقية... كما زهاء حديد (وإن اختلف المضمار والأدوات) كاظم الساهر فنان من بلادي لي الكثير من المآخذ عليه، لكن ذلك لا يحول أبداً دون احترامي له وتقديري لفنه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.