المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي أنوزلا Headshot

أسطورة "بروميثيوس" وصحافة الاستقصاء

تم النشر: تم التحديث:

"بروميثيوس" هو اسم واحدة من أهم قصص الميثولوجيا الغربية، فهي ترمز إلى "بروميثيوس" الذي كُلف هو وشقيقه "أبيمثيوس" بإعادة تشيكل الحيونات والبشر، وبما أن "أبيمثيوس" كان أسرع من شقيقه في إنجاز مهمته فقد استنفذ كل المواد المتاحه لهما في تشكيل الحيوانات من سرعة في العدو، ورؤية عن بعد، وسمع يصل إلى مسافات بعيدة، وحاسة شم قوية.. ولم يتبقَ لـ"بروميثيوس"، الذي عُرف ببعد نظره وحكمته، ما يشكل به البشر، فقام بسرقة شعلة المعرفة من عند الإله "زيوس" كبير الآلهة ليعطيها للبشر.

كان "بروميثيوس" يدرك أن الإله "زيوس" يحتقر البشر، ولا يريد للمعرفة المقدسة أن تقع بين أيديهم، لذلك قام بسرقة شعلتها ليضيء بها كهفهم المظلم، ويفتح لهم مجال الألوهية.

هذا الاسم الأسطوري هو الذي اختاره "اتحاد الصحفيين الدوليين لصحافة الاستقصاء" لعملية "أوراق بنما". فقد اتفق اتحاد الصحفيين المحققين الذي يضم 376 صحفيًّا يمثلون 110 وسائلَ إعلامٍ عالمية، حفاظًا على سرية التحقيق، إطلاق اسم "عملية بروميثيوس"، على ما بات يعرف اليوم بـ"أوراق بنما" لضمان سرية الاتصالات التي كانت تجري بينهم عبر العالم لمدة تسعة أشهر، والتي بلغ عددها 1500 محادثة.

هذا الاختيار الذكي والواعي لاسم العملية، والذي يحيل على واحدة من أهم قصص الميثولوجيا الغربية إن لم تكن أهمها على الإطلاق، تحمل مضامين ودلالات هائلة في الفكر والتاريخ الغربي، تجعلنا اليوم أمام ولادة جديدة للصحافة، التي يعاد تشكيلها على يد "بروميثيوس" العصر الحالي، أي "صحافة التحقيق".

وليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها "اتحاد الصحفيين الدوليين لصحافة الاستقصاء" بمثل هذه العمليات التي تعيد للصحافة وهجها ودورها النبيل كحاملة لشعلة المعرفة، فقد سبق لنفس الاتحاد أن اشتغل وبنفس الطريقة على تسريبات الحسابات البنكية السويسرية، ونجح آنذاك في الكشف عن الحسابات البنكية السرية لأسماء ملوك ورؤساء دول وفنانين ورياضيين وشخصيات من عالم المال والأعمال تعاملوا مع بنك سويسري للتستر على حساباتهم البنكية المشبوهة في مصادرها.

كانت تلك أول تجربة لعمل صحفي جبار، اشترك فيه مائة صحفي من جميع أنحاء العالم، وأحدثت نتائجه آنذاك فتحا عظيما في مجال الصحافة الاستقصائية.

اللجوء إلى خلق مثل هذا "الاتحاد الدولي للصحفيين المحققين"، جاء بعد تسريبات "ويكليكس"، التي كانت أول عملية تسريب كبيرة لحجم هائل من المعلومات، فقد عمد آنذاك مؤسس "ويكليكس" جاك أسانج، إلى إشراك بعض وسائل الإعلام العالمية الكبيرة في حجم المعلومات الكبيرة التي كان يتوفر عليها، وهو ما أعطى لتلك المعلومات، في حينها، قيمتها وأثرها الكبير آنذاك على الساسة والسياسيين وصناع القرار الدوليين.

واليوم يعود نفس "الاتحاد"، وهذه المرة بأعداد أكبر من الصحفيين، ليكشف عن واحدة من أكبر فضائح العصر، ألا وهي "الجنات الضريبية" التي كانت أغلب الحكومات تعرف بوجودها وربما تعرف من يلجأ إلى الاستعانة بخدماتها، ومع ذلك ظلت تسكت عنها وتتستر على زبنائها.

والفضيحة اليوم لا تتمثل فقط في مليارات الدولارات المهربة والمسروقة والمنهوبة، وإنما أيضاً فيما سببه ذلك من حروب وقتل ووفيات أبرياء وتشريد واغتصاب؛ لأنه يوجد من بين المشتبه في تورطهم في عمليات تهريب أموالهم إلى مكتب الملاذات الضريبية ببنما، بالإضافة إلى الملوك والرؤساء والمسؤولين الذي يسرقون ثروات شعوبهم، أسماء زعماء كارتيلات المخدرات، وتجار سلاح.

لقد أعاد هذا العمل الصحفي الكبير الذي أنجزه "اتحاد الصحفيين الدوليين لصحافة الاستقصاء" لمهنة الصحافة هيبتها التي أفسدتها السلطة والمال في أكثر من دولة، ورأينا كيف تفاعل الرأي العام العالمي مع نتائج هذا التحقيق الذي أسقط حتى الآن رئيس وزراء أيسلندا وهز عروش رؤساء وزراء وحكومات غربية وأقلق مضجع الكثير من كبار الحكام والمسؤولين ورجال الأعمال في العالم.

يقول أحد الصحفيين الألمانيين من جريدة "سودويتشه تسيتونغ" الألمانية اللذين كانا أول من توصل بالوثائق إن "مستقبل الصحافة (بالنسبة إلى تسريبات بهذا الحجم) يكمن في التعاون الدولي" لأننا "أقوى دائماً معاً".

وبالفعل فقد بدأ "اتحاد الصحفيين الدوليين لصحافة الاستقصاء" يتحول إلى قوة ضغط حقيقية على المستوى الدولي، بفضل وسائل الإعلام العالمية الكبيرة المشاركة فيه ومن أكثر من دولة عبر العالم.

وسيبقى العمل الجبار الذي قام به "اتحاد الصحافيين الدوليين لصحافة الاستقصاء" تاريخيا بالنسبة لمهنة الصحافة، فهو أظهر قيمة العمل الصحفي وقدرته على التأثير عندما يكون مسؤولا قائما على أخلاق ويدافع عن مبادئ.

والحال هنا أن "أوراق بنما" أثبت قيمة التحقيق الصحفي المسؤول في فضح سرية ونفاق شخصيات عامة وذات نفوذ عبر جميع أنحاء العالم.
كما أظهر العمل المضني الكبير الذي بدله هؤلاء الصحافيين طيلة عام كامل من البحث والتحري والاستقصاء، قيمة التزام الأخلاق المهنية في البحث من أجل الوصول إلى المعلومة المفيدة المقنعة وذات المصداقية التي تخدم المصلحة العامة أولا وأخيرا.
وكيفما كانت النتائج التي ستترتب عن الفضائح التي كشفت عنها "أوراق بنما"، فهي أكدت مرة أخرى بأن الصحافة الملتزمة ستبقى دائما حجر الزاوية للديمقراطية في العالم.

وعودة إلى أسطورة "بروميثيوس"، التي تقول بأنه عندما جاء للبشر بشعلة المعرفة التي سرقها من الإله "زيوس"، أضاءت النار المقدسة الكهف المظلم، وتفجّر الإبداع لدى البشر!

والنهاية المأساوية لهذه الميثولوجيا تقول بأن الإله "زيوس" استشاط غضبا لأنه كان يعرف بأن قبس المعرفة قد يجعل من البشر آلهة مثله، عندما يمتلكون نفس المعرفة التي يمتلكها، فقرر أن يعاقب الجميع، وكان أول من ضحى به هو "بروميثيوس" نفسه ليجعل منه عبرة للبشر، فعلقه على جبل القوقاز عارياً، بينما النسر الإلهي يأكل كبده. و حتى يدوم عقابه للأبد، فقد أمر "زيوس" بأن يُخلق له كبدٌ جديد كلما فني الذي بداخل أحشائه..

ربما في هذه القصة الميثولوجية جانب من مأساة ما تبقى من صحافتنا المستقلة في العالم العربي.. فمصير هذه الصحافة مثل مصير "بروميثيوس" عليها أن تتحمل ثمن خدمتها المصلحة العامة، كما تحمل هو ثمن محبته للبشر!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.