المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

علي الشظبي Headshot

عقدٌ ونيف من رسالة كيلنتون، ماذا أنجز العرب؟

تم النشر: تم التحديث:

أثناء حضوري لمحاضرة للكاتب والصحفي الأميركي "توماس فريدمان"، ألقاها في جامعة UCO تحدث فيها عن التفكير خارج المألوف والتكنولوجيا الجديدة والشركات العملاقة التي لا تمتلك منتجات محسوسة كنتيجة صناعات وعقارات، وما إلى ذلك.. كأوبر وفيسبوك وأمازون ومثيلاتها، غير أن رأس المال الحقيقى لها هي المعلومات. كانت محاضرة شيقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى..

تحدث فريدمان عن سرعة تغير حركة العالم في فترة وجيزة، وهي العشرية الأخيرة من القرن الماضي، وبداية القرن الحادي والعشرين التي تبلورت فيها الأجهزة الذكية وسرعة انتقال المعلومة.

بعد انتهاء المحاضرة ذهبت لشراء أحد كتب الكاتب وهي THE WORLD IS FLAT (العالم مستوٍ) بنفس الرف، وجدت كتاباً آخر اسمه LONGITUDES AND ATTITUDES -THE WORLD IN THE AGE OF TERRORISM (خطوط الطول والعرض- العالم في عصر الإرهاب).

أثناء تقليبي لصفحات الكتاب قرأت مقالاً معنون ب"رسالة كيلنتون الأخيرة". كانت عبارة عن رسالة كتبها "توماس" على لسان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون إلى الشارع العربي.

في حقيقة الأمر إن الرسالة ومحتواها أحزنني جداً رغم أكثر من عقد ونيف على كتابتها. فلم تكن في حد رأيي رسالة سياسية أكثر منها نصيحة قالها في لحظة صادقة محاولاً تذكير العرب أن قد فاتهم الكثير وعليهم اللحاق بالركب.

لقد أتى جيل بأكمله من بعد تلك الرسالة، ولكن للأسف لم ندرِ العجلة إلى الأمام كباقي الشعوب بل على العكس، تقهقرنا إلى الوراء!

لكن، لا مستحيل مع الإرادة ولا عجز مع التصميم، قالها المعرّي قديماً:
"وإني وإن كنت الأخير زمانه ** لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل".

سألخصّ الأفكار الرئيسية التي احتوتها هذه الرسالة وسأدع القارئ يخوض في تفسيرها والنظر إليها كيفما يشاء.

ذكر كلينتون في بداية رسالته عن الصراع العربي الإسرائيلي، وعن المدى الذي استطاع أن يتوصل إليه بين طرفي الصراع، وليست هذه هي النقطة المهمة بالنسبة لي كمؤمن بالقضية الفلسطينية، ولكن سأنظر إلى الأبعاد الأخرى التي ذكرها كيلنتون حول التنمية والتعليم والتطور التكنولوجي وأسباب خمولها لدى العرب.

إليكم ترجمة متواضعة للرسالة:

الأعزاء السيدات والسادة،
في خلال السنوات الخمس الماضية كانت جل كتابتي إلى قيادتكم، ولكنني اليوم ومع انتهاء ولايتي قررت أن تكون آخر رسالةٍ موجهة إليكم، إلى الجماهير العربية، إلى الشارع العربي الذي دفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الصراع المستمر.

سأكون صريحاً معكم. لقد عملت بكل ما أستطيع كي أصنع مخرجاً عادلاً وواقعياً لكم وللأسرائيليين بسبب الصراع القائم بينكما. ولكن في حالة أردتم استمرار الصراع وغض الطرف عن الاتفاق الذي سيعطيكم خمسة وتسعين بالمائة مما تطلبونه، حسناً.. لا أستطيع فعل أكثر من ذلك.

ولكن هناك أمراً آخر أود قوله وهو، إن ما أزعجني كثيراً هو طبيعة العداء الشديد التي أجدها في الشارع العربي للحداثة والعولمة والديمقراطية، وكذلك الثورة المعلوماتية. ما تفعلونه مع الإسرائيليين هذا أمر يعود إليكم، ولكن ما تفعلونه مع مجتمعاتكم سيؤثر على الشرق الأوسط بأكلمه.

بينما تهتم الدول الأخرى بتطوير صناعات تنافسية على مستوى عالمي، ما زلتم تهتمون بالعكس، بينما يتبادل الآخرون تجارتهم مع العالم بشكل كبير، أنتم بالكاد تتبادلونها فيما بينكم. بينما الآخرون يطلقون حرية الصحافة، فأنتم على العكس، تقيدونها.

بينما قادة العالم يصنعون شرعيتهم بدفع الشعوب نحو التعليم، أغلبكم مازال يصنع شرعيته بتشجيع الصراعات الدينية. بينما يبحث الآخرون على مستثمرين لخلق فرص عمل لشبابهم، أنتم تقومون بطرد المستثمرين الأجانب بسبب بيروقراطية غير ملائمة وصراع مستمر، والذي من شأنه إخافة أي فرد عن منطقتكم. في العصر الذي يصنع فيه الجميع الرقائق الإلكترونية، أنتم بالمقابل تصنعون رقائق البطاطس.

أعتقدت أن هذا الواقع سيكون محلَّ جدل مثير بين نخبكم، وأعلم أن البعض قد بدأ بالاهتمام به. ولكن لا تزال الغالبية العظمى من هذه النخبة من مثقفين وعلماء وبرلمانيين تتصنع الذرائع بدلاً من مناقشة هذه القضايا بشكل صادق.

عندما أسأل قيادات عربية: لماذا كان دخل الفرد في كوريا الجنوبية عام 1950 يساوي ما كان عليه في مصر وسوريا والآن، كوريا الجنوبية دولة متطورة، بينما لا تزال مصر وسوريا على النقيض؟

الجواب الذي يأتيني هو: أن الدول العربية تحتّم عليها الخوض في حروب. حسناً، كوريا الجنوبية كانت في صراع مع كوريا الشمالية لعقودٍ من الزمن. ثم يأتون بعذرٍ آخر وهو: أن الدول العربية تعاني مشاكلَ في السكان. حسناً، الصين كذلك، ولكنها كانت تنمو بمعدل عشرة بالمائة سنوياً.
إن نخبكم يبدو عليها الاهتمام بمصالحها، وذلك بخلق أعذار عن سبب ضعف أنظمتها أكثر من مواجهة المشكلة ومناقشتها بشكل صادق.

أدرك أن قضية إسرائيل ومن يتحكم بالأماكن الإسلامية في القدس مسألة حساسة بالنسبة للشارع العربي، ولم يدر بفكري أن أطلب منكم أن تتنازلوا عن أماكنكم المقدسة، ولكني أحثكم على أن تضعوا في أذهانكم أكثر من سؤال.

التحكم بالمسجد الأقصى تعد مسألة حساسةً بالنسبة لكل مسلم فلسطيني وعربي في الوقت الراهن. بالمقابل أخبروني: ما نوع التعليم الذي توفرونه لأبنائكم؟ ما نوع الاقتصاد الذي تبنونه؟ وما نوع القانون الذي تأسسونه والذي من شأنه أن يحدد قيمتكم ومركزكم في العصر الحديث؟ من المفترض أن تعيروا اهتماماً بالإجابة على الأسئلة القديمة، وبنفس الوقت يجب أن تدركوا أنها ليست فقط الأسئلة الوحيدة.

يجب أن يكون هناك شيء من التوازن. المجتمع الذي ينسى جذوره لا يمكن أن يكون مستقرًّا، ولكن المجتمع الذي يكون مُستعبداً لجذوره ويبحث عمن يمتلك أي جذر لن ينمو كبقية العالم ولن يجني ثمرة التطور.

إن نخبكم لا تكترث لما يجري. إنهم يأكلون الثمرة بغض النظر عن أي شيء آخر. إنهم محروسون بالأنظمة، بينما يتركونكم أنتم تعيشون في نطاق قضايا ونماذج قديمة؛ ولذلك هم يحرصون على أن لا تكون لديكم قوة تستغلونها.

أعلم أنكم محبطون من الولايات المتحدة. ولكن ما لا يمكنني فهمه هو تبعيتكم لنخبكم التي أيدت صدام حسين. تغافلونا، وفكروا ماذا فعل هذا الرجل بجيرانه، كذلك الغاز السام الذي قتل به أبناء شعبه، لقد قام بتدمير جيل من العراقيين. هل هذا نموذج من القيادات التي تطمحون إليها في بلدانكم؟ أتمنى عكس ذلك. أتمنى أن أرى يوماً من الأيام انتفاضة عربية ليس من أجل فلسطين مستقلة فقط، ولكن انتفاضة عربية من أجل التعليم، انتفاضة من أجل الحريات، انتفاضة من أجل القانون والديمقراطية. الشارع العربي الذي يسأل سؤالاً واحداً، في نهاية الأمر، سيكون المكان الذي لا تريده لأبنائك أن يكبروا فيه.
المخلص،
بيل كلينتون

انتهت رسالة بيل كيلنتون، بينما عناصر القوة والحداثة التي ذكرها في رسالته تراجعنا عنها بشكل منقطع النظير.

الأزمات المتلاحقة جراء الدكتاتوريات الحاكمة حالت دون نهضة عربية، والربيع العربي الذي كان أملنا نحو النهوض كان هو الآخر محل اغتيالٍ من حكومات لا تفضل النموذج الديمقراطي، بل تستميت من أجل مصالحها الشخصية كما ذكر كلينتون.
الأمل يبقى فينا نحن كأفراد. فمهما كان الليل غازياً بظلمته لا بد أن ينبري الفجر. التعليم هو الفارق في نمو الشعوب وتقدمها، ولقد أصبح اليوم متاحاً وسهلاً في ظل تنقل المعلومة وطيرانها في الفضاء الواسع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.